السبت, 01 تشرين2/نوفمبر 2014 18:46

أحكام اللفظ العام ومعارك العدوان علي قداسته وعلاقة ذلك بتأصيل قضية الحكم علي الناس وأحكام التبعية

من كتاب شهد الأصول لأبناء الأصول
أحكام اللفظ العام
ومعارك العدوان علي قداسته
وعلاقة ذلك بتأصيل قضية الحكم علي الناس وأحكام التبعية


1- اللفظ العام يفيد الحكم العام
2 - فهو حكما ثابتا بالنص يقينا
3 - وله خصائص الأحكام الصريحة لا الأحكام الاجتهادية
4 - والذي يُخضع جميع ما انتظم تحته من أفراد علي سبيل الشمول والاستغراق [أي جميع ما يصلح له / بوضع واحد /، دفعة واحدة /، من غير حصر ... ،]
5 - ولا يخرج عن حكمه شئ من أفراده إلا ما ورد الدليل الخاص الدال علي ذلك
المعركة الأولي : عدوان [أصحاب الاستصحاب] علي حرمة النص العام وقواعده :
فاللفظ العام - والذي يفيد القواعد العامة بالخصوص - يحكم نوعين من الأفراد :
الأول – ما جاءت القاعدة العامة لحكمهم بالأصالة ، وهذا نوع من الالتزام بحكم النص .
والثاني - ما اشتبه حكمه من وقائع الأفراد ولم يدخل تحت حكم دليل خاص فيُرد حكمه للقاعدة العامة (استصحابا) ، وهذا من مسالك الاجتهاد في إثبات الأحكام في حالة التشابة وعند غياب الدليل الخاص
[ فهذه معركة دخل بمقتضاها المتشابه تحت حكم الدليل العام (الأصل) استصحابا ]
فالمسئلة المتشابهة أعملنا فيها حكم العام اجتهادا ، أو استدعينا لها حكم العام استصحابا ...
ـ مثال ذلك – أن الأصل الثابت في حكم الماء والثوب والأرض هو الطهارة
وأنه إذا أُشكل علينا شئ من ذلك رُد حكم هذا المتشابه علينا إلي حكمه الأصلي استصحابا لهذا الأصل
- ومن أمثلة ذلك أيضا : أن النص جاء صريحا بتحريم الميتة من البهائم والطير حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ  فدخل في حكم التحريم كل من ينطبق عليه هذا الوصف (الميتة) وذلك إعمالا لحكم النص
ثم إذا اشتبه علينا شيئا من ذلك في الذبائح رُد حكمه إلي الأصل (استصحابا) لهذا الأصل ، [وهذا اجتهاد].
فثبوت النوع الأول من الأحكام (حكم الأصل) هو ثبوت للحكم بمقتضي النص الصريح وصدق
أما النوع الثاني والذي ثبت وفقما دل عليه (الاستصحاب) فهو نوع آخر من الأحكام ثبت بالاجتهاد وحيث الاستصحاب دليل متأخر من الأدلة الاجتهادية .
فالمستند للحكم الأول – هو النص
والمستند للحكم الثاني – هو الاجتهاد والرأي والذي قد استند فيه إلي [الاستصحاب]
• والمسلك الأول يُنتج حكما مُلزما ولا يُرد شرعا لأنه تحكيم للقواعد العامة والأصول الحاكمة حتي لو خرج عن حكمها شيئا خرج بالدليل الخاص ........
- والمسلك الثاني يُنتج حكما مبني علي الاجتهاد ، ولذا تجد كثير من أهل العلم يذكر [ أن حكم الاستصحاب هنا ضعيف] وأن هذا شأن كافة الأحكام الثابتة بطريق الاستصحاب .
• أيضا ينبغي أن نعلم أن أهل العلم إذا قالوا عن حكما بالحل أو الحرمة أو البراءة أو الكفر أو الإسلام أو ماشابه ذلك ... علي سبيل الاستصحاب ... فاعلم لأن هذا الحكم الذي تم استدعائه هو أصل شرعي كبير صادق حاكم ، بدليل أنه هو الذي تم استدعائه عند وقوع الاشتباه (فهو الأصل)
- وهذا من مسالك التعرف علي الأصل بأحد خصائصه ( ).
- ولذا فمن أفحش الخطأ أن يُذكر الحكم الصحيح في المسألة ودليله الصادق هو النص ثم يُقال أن الحكم ثبت علي سبيل الاستصحاب للأصل . وهذا خطأ في تأصيل الأحكام يحدث كثيرا بغير علم وللأسف وله ما له من آثار سيئة أبرزها فتح باب الشك في الأحكام الصريحة وقبول الخلاف فيما قطعت بحكمه النصوص .

المعركة الثانية : عدوان [أصحاب الاستقراء] علي حرمة النص العام وقواعده :
حيث هناك من الاحكام ما سكتت عن التصريح بحكمه النصوص وقد أحال أهل العلم لمعرفة حكمه من خلال الاجتهاد ، ومنه الاستقراء للواقع والوقائع ... وهو الأمر الذي قد يدلنا علي الحكم من خلال الغالب الشائع لا القليل النادر
فالاستقراء وسد الذرائع وسائل اجتهادية لتقرير الأحكام علي نحو ما يُمليه الشائع الغالب
ولذا ينبغي أن نعلم الفرق بين حكما ثبت بالنص الصريح / وحكم آخر ثبت بالاستقراء .
• إن الحكم الثابت بالدليل العام يحكم أفراده علي نحو ما يحكم النص العام علي عموم أفراده
فهو حكما ثابتا بالنص صراحة ، ولا يقال في هذا أن حكم مثل هذه الحالات قد ثبت علي نحو من تحكيم الغالب الشائع علي آحاد الأفراد...
لأن ثبوت النوع الأول من الأحكام هو ثبوت حكما ثبت به النص وصدق
أما النوع الثاني والذي ثبت وفقما دل عليه (الغالب الشائع) فهو نوع آخر من الأحكام ثبت بالاجتهاد المبني علي استقراء الواقع لأنها من المسائل (المسكوت عنها) ، وقد عرفنا حكمها باستقراء الواقع والوقائع ، و(الاستقراء) من مسالك الاجتهاد يقينا .
فالمستند للحكم الأول – هو النص
والمستند للحكم الثاني – هو الاجتهاد والرأي والذي قد استند فيه إلي الغالب الشائع [الاستقراء أو الذرائع]
• والمسلك الأول يُنتج حكما مُلزما ولا يُرد شرعا لأنه تحكيم للقواعد العامة والأصول الحاكمة حتي لو خرج عن حكمها شيئا خرج بالدليل الخاص ........
ومثال ما ثبت علي هذا النحو كقواعد عامة (ثابتة بالنص) :
ـ تحريم أكل الميتة
ـ طهارة ماء البحر والنهر والعين ـ وطهارة التراب والثوب والأرض
ـ الأصل براءة الذمة
ـ الأصل أن المتهم برئ حتي تثبت إدانته ...... وهكذا .
• والمسلك الثاني يُنتج حكما مبني علي الاجتهاد وهو لايكون إلا عند خلو المسألة عن أصل يُرد إليه أو قاعدة عامة أو خاصة تحكمه [فهذه معركة أخري ولكن خرجت المسئلة عن دلالة العام والخاص من الأدلة الصريحة إلي الاجتهاد ]، فيبحث أهل العلم عن حكم المسئلة من خلال مسالك الاجتهاد ومنها (الاستقراء) والذي قد يقرر معني مُعين هو الغالب الذي يعول عليه في تقرير الحكم في المسئلة المجتهد فيها واستنادا إلي الغالب الشائع. والأمثلة علي ذلك كثيرة جدا ... ومنها :
1ـ أن ماء البئر غالبا صالحة للشرب ونادرا غير ذلك
2ـ وأن أناث الضأن غالبا ما تأتي بذكر وأنثي في البطن الواحدة ، ونادرا غير ذلك
وهكذا جميع مايثبت بطريق استقراء الواقع ، وهو المشتهر في عصورنا هذه بـ ( علم الأحصاء )
ومن الأمثلة التطبيقة لهذه المعارك ـ مثلا ـ :
أن أحد الأصول الثابتة الشهيرة فيما يتعلق بعموم المكلفين وذمتهم المالية أن (الأصل براءة الذمة) ، فإذا أُثير الكلام عن مديونية رجل ، ونازع في ذلك وثارت الشبهة ولم تقطع بدليل يُثبت الدين في ذمته ، فالحكم الصحيح هو براءة الذمة استصحابا للأصل . فلا يُقال أن الحكم هنا هو براءة ذمته تغليبا ( للغالب الشائع ) بل هو الأصل الثابت الحاكم في مثل هذه المواطن ، إما خضوعا والتزاما لحكم الأصل الثابت ( في حالة عدم المنازعة) ، وإما استصحابا لهذا الأصل (عند ورود الشبهة دون القطع بثبوتها) ،
وهكذا الحال في كل ما ثبت من أحكام وفق أصول صحيحة ثابتة ...

• ولذا فمن أفحش الخطأ أن يُذكر الحكم الصحيح في المسألة ودليله الصادق هو النص / ثم يُقال أن الحكم ثبت وفقا للغالب الشائع . لأن الغالب الشائع يُعمل به عند غياب النص (عام أو خاص ) ، أما مع وجود النص العام وهو الأصل في المسئلة فلا يُقال أبدا أن الحكم ثبت وفق الغالب الشائع ولو توافقت الأحكام ، وهذا ما يحدث كثيرا بغير علم وللأسف .

أما المعركة الثالثة :
هي حالة تعلق الخفاء ببعض تطبيقات القواعد العامة :
فنحن إذا قلنا : أن الحكم الثابت بالدليل العام يحكم أفراده علي نحو ما يحكم النص العام علي عموم أفراده ، فهو حكما ثابتا بالنص صراحة
• وأن هذا المستند يُنتج حكما مُلزما ولا يرد شرعا لأنه تحكيم للقواعد العامة والأصول الحاكمة حتي لو خرج عن حكمها شيئا خرج بالدليل الخاص ........
و أن من أمثالة ما ثبت علي هذا النحو كقواعد عامة (ثابتة بالنص) : تحريم أكل الميتة ـ طهارة ماء البحر والنهر والعين ـ وطهارة التراب والثوب والأرض ـ الأصل براءة الذمة ـ الأصل أن المتهم برئ حتي تثبت إدانته ، وأن الأبناء والذرية علي دين الآباء في أحكام الدنيا الظاهرة بالتبع...... وهكذا .
• فالواجب أن نعلم أيضا أنه إذا وجدت (القاعدة العامة) في المسئلة أو القضية ... ثم وجدت أهل العلم يقولون عن بعض أحوال تطبيقاتها أو بصدد مسئلة محددة تعلقت بها : أن بها قولان ... أو أن أهل العلم اختلفوا فيها علي ثلاثة أقوال .... فاعلم أن هذا لا يتناقض مع (القاعدة العامة) ولا مع قدسيتها ومكانتها ، ولكن الخفاء قد تعلق ببعض تطبيقاتها علي بعض أفراد الحوادث الذي تعلق به الخفاء [ وقد سبق لك دراسة الخفي في الصفحات السابقة فارجع إليه فهو مُفيد جدا ] .
- وقد فعلوا هذا عندما عارض المنحرفون القاعدة العامة في أحكام الذرية باختلاف أهل العلم في اللقيط والسبي والحالات التي تعلق بها الخفاء والشبهة
- وهكذا خالف أهل التوقف وغيرهم قواعد قضية الحكم علي الناس والأصل الحاكم فيها عندما عارضوها بالمتشابهات وأحكام اللقيط وما أطلقوا عليه مجهول الحال ظلما وعدوانا
- وهكذا فعل أهل الانحراف عندما عارضوا أحكام الديار والأصل فيها بما لم يعوا له أصل ولا فهم من فتوي ابن تيمية رحمه الله عندما سُئل عن دار (ماردين) ...( )
- وغير ذلك كثير جدا مما عارض فيه أهل الجهل والمنحرفون قواعد الدين الأساسية بما خفي عليهم من مسائل مُشكلة أو متشابهة عارضوا بها الواضحات من الأحكام العامة الصريحة وشككوا فيها .

• فلا يرتاب في القواعد العامة لمثل هذا أو يُشكك فيها إلا جاهل متكلف تكلم فيما لا علم له به / أو زائغ القلب عديم الفهم / أو صاحب هوي أعماه هواه عن الحق اللائح فهو منكوس معكوس قد شك في الواضحات لما عارضها بالمتشابهات وما تعلق به الخفاء... وللأسف هذا حال وحقيقة الكثير من الناس ( ) اليوم ، بل حال كثير ممن ينتسبون إلي العلم اليوم ويتصدروا مجالسه ويحسبون بين الناس من أكابر الدعاة والمعلمين ، وقد جائوا بكل ما هو عظيم في مناقضة أصل الدين وقواعده الأساسية ...

المعركة الرابعة :
علاقة الدليل العام بقواعد المسئولية [ الشخصية و الجماعية ] :
فالدليل العام قد يدل علي أي من نوعي المسئولية الجنائية بلا حرج في ذلك وفقما نُظم به قواعد المسئولية

• فأما ما يتعلق بالمسئولية الفردية
فيعتبر الفرض العينى هو الأساس في تقرير مبدأ ( شخصية المسئولية والعقوبة ) الذي يعتبر أحد أهم قواعد المسئولية في الفقه الجنائى الإسلامى ، والمعنى ( مسئولية الفرد ) عن أعماله دون أن يؤاخذ بذلك أى من الآخرين ممن لا علاقة لهم بالجريمة ، إذا ثبت الفعل في حق المُعين من الأفراد وفق قواعد البينة والإثبات ، استنادا لقوله تعالى:
﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ،﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾
ونصوص أخرى كثيرة في إثبات نفس هذا المعنى .فمبدأ ( شخصية المسئولية والعقوبة ) هو المبدأ المعبر عن المسئولية الفردية للأشخاص عن أقوالهم أو أعمالهم المخالفة للشرع المتمثل في ترك واجب ( عينى ) أو ارتكاب نهى. دون أن يؤاخذ أحد آخر بجريرة الفاعل .
ومن أمثلة النصوص العامة المقررة لهذا النوع من المسئولية الفردية (أو الشخصية) قوله تعالي :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ المائدة
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا النساء
 الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ  النور
فإذا ثبت الفعل في حق المُعين من الأفراد وفق قواعد البينة والإثبات يؤاخذ بمقتضاه دون غيره من الأفراد .

وأما ما يتعلق بالمسئولية العامة (أو المسئولية الجماعية)
• فمن المعلوم أن الواجب الكفائى هو الأصل في تقرير مبدأ ( المسئولية العامة أو المسئولية الجماعية) لأفراد الأمة حالة تخلفها عن الأداء – وإنما يأثم الجميع إذا لم يحصل الواجب الكفائى لأنه مطلوب من مجموعة الأمة : فإذا لم يحصل الواجب كان ذلك تقصيراً من الجميع :
 من القادر لأنه لم يفعله
 ومن العاجز لأنه لم يحمل القادر علي فعله ويحثه عليه
كالآذان للصلاة إذا عُد من الفروض الكفائية وقعد أهل قرية جميعهم عن رفع الآذان ، كان الجميع آثمين رجالا ونساء القادر منهم وغير القادر علي رفع الآذان .
قال صاحب كتاب الوجيز: ] وعلى هذا التصوير للواجب وجب علي الأمة مراقبة الحكومة وحملها علي القيام بالواجبات الكفائية أو تهيئة الأسباب اللازمة لأدائها لأن الحكومة نائبة عن الأمة في تحقيق المصالح العامة وقادرة علي القيام بأعباء الفروض الكفائية فإذا قصرت في ذلك أثمت الأمة كلها بما فيها السلطة التنفيذية (الحكومة)
 الأمة لعدم حملها الحكومة علي تهيئة ما تقام به الفروض الكفائية
 والحكومة لعدم قيامها بالواجب الكفائى مع القدرة [ أ.هـ
فالتخلف والتقاعس من الحاكم ، والمسئولية تقع علي الحاكم بالأساس والمحكومين (بالتبعية) ( ) ولا تقتصر علي الحاكم وحده ، ولعل هذا المعنى يعد واضحا في النص الذي وصف تقاعس الحاكم ثم عم الجميع بالحكم في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ المائدة
فهذا ما يسمي بالحكم بالتبعية علي الأفراد والذي بمقتضاه يؤآخذ من لم يعمل بجريرة من عمل ( )،
وهذا ما عبر عنه بعض أهل العلم من الأصوليون بقولهم : (تقدير المعدوم مكان الموجود) ، فهذا تصريف الشارع صاحب الشريعة في تقرير الأحكام لا اجتهاد أهل العلم فيها .( )
وهو المبدأ المصرح به في العديد من نصوص الذكر الحكيم ومنها قوله تعالي :
 إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ
حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)  البقرة
• والواجب الكفائى والذي يعد الأصل في تقرير مبدأ المسئولية الجماعية (ذلك المبدأ الهام المتعلق بقواعد المسئولية) ، لا يتعارض مع مبدأ شخصية المسئولية ، بل كلاهما معاً يشكلان أهم معالم قواعد المسئولية في شريعة الإسلام والفقه ، بلا تعارض ولا تناقض بينهما إلا في ذهن المحرومين من نور العلم والبصيرة .
• فالذي يضع عقله بين الشارع وبين الأحكام الشرعية حتي يتبين له الحكمة من كل حكم ، قد يورثه ذلك الشك في الأحكام الصحيحة إذا لم يتبين له الحكمة التي من أجلها شُرعت ...
• فقواعد المسئولية الجماعية قد تُقرر مسئولية أفراد لعل الناظر الجاهل يظن أنهم لا ذنب لهم ، ولا أثم عليهم... ولا قيمة لهذا النظر مع صراحة الدليل وصدق القواعد
- ومن هذا الشطح زل مُنكري أحكام الذرية عندما تسائلوا كثيراً عن ذنب الطفل حتي يُلحق بحكم والده في الكفر وبالتبعية ،
- وزل جُهال العوام عندما نظروا إلي تبديل الحكام للأحكام الشرعية وحكموا الناس بالقوانين الوضعية ، فظنوا أن ذلك مسئولية الحكام وحدهم ولا يعود أثر ذلك علي الرعية بالتبعية .
- ومن هذا الشطح أيضا زلّت القدرية ، كيف تكتب عليهم الأقدار الأثم ثم يؤآخذهم الله عليه ، فكذبوا بالقدر وشكوا في الحكمة وحرفوا الأدلة ... وأمثال هؤلاء كثير في قضايا متعددة ، والله هو العاصم من الزلل بقدرته .
( فالتبعية ) أصل عام كبير ثبت بالنصوص الصريحة الصحيحة بالكتاب والسنة ، وهو القاعدة التي دلت عليها أحكام فرض الكفاية ، وحكمت جميع الأفراد الذين يصدق عليهم معني اللفظ العام [بالأصالة أو بالتبع] بوضع واحد دفعة واحدة بغير حصر بعدد ... لحكمة يعلمها الله تعالي ولا معقب لحكمه .
• ولعل الجهل بهذه المعاني وغياب هذا العلم عن كثير من الناس هو سبب التخبط والاختلاف في قضايا كثيرة أساسية وحيوية كقضية (الحكم علي الناس) ومبدأ (التبعية) كأصل عام حاكم عند غياب الدليل الخاص ، وهو الأصل في ذلك والحاكم لقضية حكم (مجهول الحال) فيما يزعمون في دار الكفر
ـ والذي يقول بعض الناس بكفرة مستندا في ذلك إلي مبدأ الغالب الشائع ( وهو نوع من الاجتهاد)
ـ وآخرون منهم يقولون بكفر هذا المسمي (بمجهول الحال) مستندا إلي استصحاب الأصل الثابت ، دون أن يعي أننا لسنا أمام حالة متشابهة تستعضل علي معرفة حكمها مما يلزمنا استدعاء الأصل استصحابا ، بل نحن أمام أحد تطبيقات الأصل والدليل العام المباشرة و المعني الأصيل والمستند الصحيح المتعلق بموضوع [التبعية] والأصل في الناس الثابت بالدليل قرآنا وسنة المُثبت لمبدأ التبعية ووفق ما جاءت به أحكام الديار ( ).
• أيضا لابد أن نعلم أن مبدأ (التبعية) للدار أو القوم إذا تيقنا أنه الأصل في قضية الحكم علي الناس ، وأن هذا الأصل يشمل بحكمه طائفتين من الناس وهما :
الطائفة الأولي : كل ما جاء النص لحكمه بالأصالة وفق ما دل عليه معني الشمول والاستغراق للنص العام وقد انتظم هذا العموم جميع الأفراد - عدا ما خرج عن هذا العموم بالدليل الخاص - علي نحو لا يسمح بوجود ما يُسمي بمجهول الحال في هذا الموضع .
والطائفة الثانية - كل ماشتبه أمره من حالات واستعضل علي إثبات حكما خاصا بها بدليل خاص ـ مثل حالات الصغير اللقيط أو الجثة المجهولة ومما لا يعلم لهما أصل ولا مجال للاستدلال علي حكمه بوسيلة أخري ... ففي مثل هذه الحالات المتشابهة يُرد حكمها إلي الأصل (التبعية للدار) استصحابا ، وهو إجراء أصولي حاكم صحيح لكل ما هو متشابه في عموم أحكام الشريعة : أن يُرد حكمه للأصل دوما وعلي سبيل الاستصحاب مالم يستدل علي خلاف ذلك بالدليل الخاص ، والاستصحاب هو المستند لهذا الحكم في هذه الحالة ، وهو مستند اجتهادي ضعيف بالنسبة لعموم الاستدلال ، خاصة تلك التي تثبت بالنص الصريح لا بالاجنهاد
- ولذا تجد كثير من أهل العلم يذكر [أن حكم التبعية هنا ضعيف] ( ) – أي حالات الصغير اللقيط أو الجثة المجهولة ومما لا يعلم لهما أصل - ويقصدوا في ذلك الحكم الثابت بالتبعية بطريق الاستصحاب لا الحكم الأصيل المصرح به بالنص
- ولكن أهل الجهل من عموم المتفيقهين ممن نسب نفسه للعلم ولم يكن أبدا من أهله أو مؤهل له عندما قرأ تعبير أهل العلم هذا عن (التبعية الثابتة بالاستصحاب) ظن أن ذلك يشمل عموم ( حكم التبعية ) علي ما هي عليه من أصالة فشكك في المبدأ الثابت الصحيح الصريح لعدم قدرته علي تمييز الفرق بين الحكم إذا ثبت بالنص أو ذات الحكم إذا ثبت بالاجتهاد أو الاستصحاب في الوقائع المتشابهة / فلما جهل أصول أهل العلم حرّف كلماتهم وصرفها إلي مالم يقولوا به هادما لأصول ثابتة ، وشاكا في قواعد صحيحة / متكلما فيما لم يحسنه ، فضل وأضل / تصديقا لحديث الرسول صل الله عليه وسلم : ( يتخذ الناس رؤوسا جهالا يسئلون فيفتوا بغير علم فضلو وأضلوا )
وبناء عليه :
- فمن نظر إلي مبدأ (التبعية) في (قضية الحكم علي الناس) علي أساس كونها جاءت علي سبيل [الاجتهاد والاستصحاب] فقد ضل
- ومن نظر إلي مبدأ التبعية في ذات القضية علي أنها جاءت [ علي سبيل الاجتهاد والغالب الشائع علي الأفراد ] فقد ضل
- ومن نظر إلي مبدأ التبعية في ذات القضية علي أساس [أنها مُختلف فيها] لورود بعض الحالات (الخفية) المتشابهة بحوادث أفرادها كاللقيط والجثة المجهولة ومثل ذلك فقد ضل
وسر ضلال جميع هذه الطوائف هو ذهولهم عن أصل حكم التبعية وتأصيله الثابت وفق أصول حاكمة صحيحة صريحة جهلوها و تاهوا عنها وتكلموا بغير علم ( )وظنوا أن الأمر قام علي الاجتهاد [ بالاستقراء أو الاستصحاب أو خلافه ] .
• ومن هنا لابد أن نعلم خطورة مادة (أصول الفقه عن الله وعن رسوله ) وتعلق تأصيل الأحكام بها وأثره الحقيقي في تقرير درجة ثبوت الحكم ورسوخه وتعلقه بالاجتهاد أو قابليته للاختلاف من عدمه .


• و العلم له قواعد وأصول للدلائل إذا غاب عنها الباحث أو المتكلم في أحكام الشريعة ـ خاصة مع تسلط الهوي وغلبة الجهل ـ كان وكما قال الشوكاني رحمه الله : ومن أين لمثل هذا الجاهل العاطل عن حيلة الدلائل أن يعرف حقيقة هذه الأمور بل من أين له أن يتعقل الحجة إذا جاءته من كتاب أو سنة حتى يحكم بمدلولها ، ثم قد عرف اختلاف طبقات أهل العلم في الكمال والقصور والإنصاف والاعتساف والتثبت والاستعجال والطيش والوقار والتعويل على الدليل والقنوع بالتقليد فمن أين لهذا الجاهل العاقل معرفة العالي من السافل حتى يأخذ عنه أحكامه وينيط به حله وإبرامه فهذا شيء لا يعرف بالعقل باتفاق العقلاء فما حال هذا [الجاهل] إلا كحال من قال فيه من قال :
• كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الحائر أ.هـ

تم قراءته 1410 مره

صفحتنا على الفيس بوك

عدد الزوار

33246213
اليوم
أمس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضى
هذا الشهر
الشهر الماضى
الكل
9752
101571
491665
32076871
2490057
2032473
33246213
Your IP: 23.20.50.242
Server Time: 2017-04-28 02:21:07

أحصائيات الموقع

استطلاع الرأى

الكتاب المفضل عندك ....

الميزان فى معرفة الاركان - 0%
الطاغوت - 50%
احكام الذرية - 50%

Total votes: 2
The voting for this poll has ended on: 15 أيلول 2013 - 07:58
تصميم و تطوير ASHRF100