السبت, 01 تشرين2/نوفمبر 2014 17:58

حقيقة أحكام تكثير السواد (من كثر سواد قوم فهو منهم‏)



 

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له ولياًً مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، إله الأولين والآخرين ، وقيوم السموات والأراضين ، الذي لا عز إلا في طاعته ، ولا غنى إلا في الافتقار إليه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين ؛ فصلوات الله وتسليماته عليه وعلى آله الكرام وصحابته الطيبين الطاهرين ومن اتبعهم بإحسان.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا اَّتقُوْا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوْتُنَّ ِإَّلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونْ ﴾
[ آل عمران: 102 ].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اَّتقُوْا رَبَّكُمْ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة ، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ،
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيْرَاً وَنِسَاءً ، وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامْ
إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبَاً ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا اَّتقُوْا اللهَ وَقُوْلُوْا قَوْلاً سَدِيْدَاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولِهِ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَاً ﴾ [ الأحزاب: 71 ].
وبعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار. فنعوذ بالله من مضلات الفتن.


حقيقة تكثير السواد
(من كثر سواد قوم فهو منهم‏)

يذهب بعض الناس إلي التشكيك في مشروعية اشتراك المسلمون في المظاهرات المناهضة لحكم العسكر ، وبالتعاون أو التحالف أو التوافق مع القوي الثورية الأخري من غير المسلمين ، في الثورة علي الظلم والقهر و تسلط قوي العلمانية والإلحادية علي المجتمع ، للحديث : (من كثر سواد قوم فهو منهم‏) ...
ونحن نتناول هذا الموضوع الهام بإذن الله من زوايا متعددة ، لابد من تناولها بالنظر :
الزاوية الأولي :
الحديث الناص علي ذلك ، والجمع بين أطراف الأدلة :
[1] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كثر سواد قوم فهو منهم .
[2] ما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول صلى الله عليه وسلم : يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم .
[3] وفي حديث أم سلمة عند مسلم فقلت يا رسول الله: فكيف بمن كان كارها ؟ قال يخسف به ولكن يبعث يوم القيامة على نيته أ.هـ
[4] وفيه يقول تعالي :
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ النساء 92
[5] حديث مهاجري الحبشة ومشاركة بعضهم في القتال و بعضهم في الدعاء للنجاشي ضد عدوه ممن نازعه الملك ...
[6] واقعة حصار الرسول صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب في شعاب مكة وغير ذلك من أدلة لها ما لها من متعلق بفهم هذه الزاوية الهامة من زوايا العلم ...

***

• فأما مايتعلق بحديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ، والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية عن أبي يعلى ولفظه : قال أبو يعلى: حدثنا أبو همام نبأ ابن وهب أخبرني بكر بن مضر عن عمرو قال: إن رجلا دعا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى وليمة فلما جاء سمع لهوا فلم يدخل، فقال ما لك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريكا لمن عمله.
• قال بعض أهل العلم : ولم نجد من صرح بالحكم على الحديث صحة وضعفا لكن سكت عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله في الدراية في تخريج الهداية وأورد له شواهد، وكذلك فعل السخاوي مما يدل أن للحديث أصلا. والله أعلم.
• و معنى الحديث والله أعلم أن من اجتمع مع قوم على طاعة فهو منهم، وقد يعمه الخير بسبب اجتماعه معهم على الطاعة ولو لم يكن مثلهم في النية والمقصد،
ومن اجتمع مع أهل الشر والمعاصي مختارا فهو مثلهم، وإذا عوقبوا في الدنيا فقد يعاقب معهم ولو لم يكن يريد المعصية .
ـ فهذا الحديث إذا احتكمنا إليه وحده ، يُثبت المماثلة في (الظاهر المجرد) ، لا الحقيقة .

الزاوية الثانية :
أن الأعمال التي تتعدد فيها النوايا
لا يؤاخذ المرء إلا بقدر نيته وبحسبها :
ويُثبت ذلك الحديث الآخر على ما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول صلى الله عليه وسلم : يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم .
يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري عنه ، قال: وفي حديث أم سلمة عند مسلم فقلت يا رسول الله: فكيف بمن كان كارها ؟ قال يخسف به ولكن يبعث يوم القيامة على نيته
ـ أي يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده.
قال المهلب في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم قال : واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب،
• وتعقبه ابن المنير بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية ،ويؤيده آخر الحديث حيث قال: ويبعثون على نياتهم،
• وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والتحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك . أ.هـ
• فالإمام مالك رحمه الله يتكلم عمن تواجد مختارا للفعل ، راضيا به ...
وابن المنير رحمه الله يتكلم عمن ليس منهم أو كاره لفعلهم ...
• فهذا ما أردنا التنبيه إليه أن الأعمال التي تتعدد فيها النوايا لا يؤاخذ المرء إلا بقدر نيته وبحسبها ، فكيف إذا كانت عملا مشروعا !!!... ، ولذا يُمكن أن نقول :
• أن من كثر سواد المشركين في طابور الخبز (العيش) [ وهو العمل المشروع المأذون فيه ] فهو مثلهم في طلب الخبز ، لا في عقائدهم ولا في سائر أحكامهم ...
• ومن كثر سواد المشركين في ركوب المواصلات [ وهو العمل المشروع المأذون فيه ] ، فهو مثلهم راكب للمواصلات ، لا في عقائدهم ولا في سائر أحكامهم ...
• ومن كثر سواد المشركين في الاعتراض علي الطاغية أو الحاكم الظالم المستبد [ وهو العمل المشروع المأذون فيه ] ، فهو مثلهم خارج علي الحاكم المستبد ، ولا يثبت حكم الضد له أي بأنه يطالب بحاكم آخر بعينه إلا إذا ثبت عنه هذا بيقين بلا مبرر شرعي [قاعدة مفهوم المخالفة والنهي عن إثبات الضد في الأحكام ] راجع القاعدة الستون في كتاب الفروق للإمام القرافى .... وقد سبق بيان ذلك
وأما معني و ( بحسبها ) :
• أن من كثر سواد قوم في طابور الخبز [ وهو العمل المشروع المأذون فيه ] وهو يعلم أن منهم من يأخذ الخبز لأبناءه / ومنهم من يأخذه ليتصدق به / ومنهم من يأخذه ليقضي به سهرة غير مشروعة .... فجميع هذه الأعمال لا يعد المرء شريكا فيها إلا في حدود ما اجتمع معهم لأجله ، وبحسبه ،

• فلا هو شريك لصاحب الصدقة في الأجر ، ولا شريك لصاحب المعصية في الوزر :
(1) مادام الفعل الأساسي من الأعمال المباحة المأذون فيها شرعا من ناحية ،
(2) ومن ناحية أخري أن الأعمال الأخري (مستقبلية) قد تقع وقد لا تقع ، ولم تخرج في الوقت الحالي أو المُعاصر عن مجرد النية ...
• فخروج المسلم في المظاهرات والاعتصامات ضد الحاكم المستبد في تحالف مُعلن مع غير المسلمين ممن يعترضون علي هذا الحاكم كما يعترض ، ويُطالبون بإسقاطه كما يطلب ، هو في الحق والحقيقة عملا مشروعا لا شك في ذلك ، وإن صاحب ذلك ما صاحبه من نوايا تعددت عند الآخرين فيما يكون عليه الحال (مستقبلا) بعد إسقاط الحاكم الظالم .
• فالأعمال التي تتعدد فيها النوايا لا يؤاخذ المرء إلا في حدود نيته وبحسبها .

الزاوية الثالثة :
التعويل علي الظاهر ما لم يتبين أن الحقيقة بخلاف الظاهر :
فإذا تبين أن الحقيقة علي خلاف الظاهر فوجب تعلق الأحكام بحقائق الأمور لا بما نظنه الحقيقة وليست كذلك ، وهو الأمر المقرر بقواعد الأصول التي تُفيد العمل عند التعارض بالدليل الخاص إذا تعارض معه الدليل العام ، ومما يؤكد ذلك ما ذكره المولي تبارك وتعالي في سورة النساء بصدد جريمة (القتل الخطأ) ، وفيه يقول تعالي :
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ النساء 92
وفيها إسقاط دية المسلم إذا قُتل بين المشركين علي سبيل الخطأ دون أن يُعلم بإسلامه ، لأنه كمن أعان علي نفسه بمقامه بين المشركين . ومع ذلك إذا بان مسلما بينهم وعُلم بعينه وسط القوم فلا يحل قتله ، ولو قتله متعمدا لوجب القصاص أو الدية ...
قال صاحب المُغني في الفقه الحنبلي :
مسألة : قال : والضرب الثاني أن يقتل في بلاد الروم من عنده أنه كافر ويكون قد أسلم وكتم إسلامه إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض الإسلام ، فيكون عليه في ماله عتق رقبة مؤمنة بلا دية لقول الله تعالى : فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ النساء
هذا الضرب الثاني من الخطأ وهو أن يقتل في أرض الحرب من يظنه كافرا ويكون مسلما ولا خلاف في أن هذا خطأ لا يوجب قصاصا لأنه لم يقصد قتل مسلم فأشبه ما لو ظنه صيدا فبان آدميا ، إلا أن هذا لا تجب به دية أيضا ولا يجب إلا الكفارة وروي هذا عن ابن عباس وبه قال عطاء و مجاهد و عكرمة و قتادة و الأوزاعي و الثوري و أبو ثور و ابو حنيفة
• وعن أحمد رواية أخرى تجب به الدية والكفارة وهو قول مالك و الشافعي
لقول الله تعالى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
وقال عليه السلام : [ ألا أن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل ] ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام
ولنا قول الله تعالى : " فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " النساء ولم يذكر دية ، وتركه ذكرها في القسم مع ذكرها في الذي قبله وبعده ظاهر في أنها غير واجبة ، وذكره لهذا قسما مفردا يدل على انه لم يدخل في عموم الآية التي احتجوا بها ويخص بها عموم الخبر الذي رووه أ.هـ
• وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا. فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، فرفع يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد". وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم، حتى مِيلَغة الكلب .
وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال . أ.هـ
• فقد تمثل خطأ خالد بن الوليد رضى الله عنه في تجاهل النية أو المقصد من الكلمة التي صدرت من القوم ، وآخذهم بهذا الظاهر الذي كان يُمكن العلم بالمقصود منه حقيقة بشئ من التأمل والتأني ، ولذلك كان ثمن هذا الخطأ دفع دية القوم ممن قُتلوا ظلما وعلي سبيل الخطأ ...
• وبهذا يتبين أن الظاهر المجرد لا ينبغي التعويل عليه إذا ثبت بالدليل الخاص أن الحقيقة في التواجد و (تكثير السواد) لمعني له ما له من دلالات أخري ،
• وبهذا نعلم أن تحالف المسلمون مع القوي الثورية لإسقاط الانقلاب العسكري أو التظاهر ضد حكم الطاغية ، وهو الأمر المستند إلي مبررات شرعية أصيلة ، لا ينبغي أن يُنسب إليهم أنهم ما خرجوا إلا لإعادة رئيس تم الانقلاب عليه ولا إعادة دستور تم تعطيله !!!
• فينبغي التعويل علي ما يوافق نية الفاعل المستندة إلي تبرير شرعي مقبول ، وترك التعلق بالظاهر المجرد في الوقت الذي علمنا مقاصد أهل الإسلام الصحيحة في المسألة ، بدليل :
(1) الحديث الصحيح في البخاري : عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول صلى الله عليه وسلم : يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم .
(2) وفي حديث الآخر عن أم سلمة رضي الله عنها عند مسلم فقلت يا رسول الله: فكيف بمن كان كارها ؟ قال يخسف به ولكن يبعث يوم القيامة على نيته أ.هـ
(3) وللآية الكريمة من سورة النساء من قول الله تعالى :
" فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " النساء
وما فهم أهل العلم من هذا النص المبارك ، من عدم جواز قتله إذا علمنا عنه الإسلام ، ولو كان متواجدا بين قوم مشركين ، ولذا فمن قتل مؤمنا متعمدا في دار الحرب بعد علمه بإسلامه ومخالفته للقوم ، لا يُقبل منه الاعتذار عن الفعل بادعاء أنه ممن يُكّثر سواد المشركين فهو منهم ، وبالمثل تكفيره أو اتهامه بالكفر ، فهذا من الباطل لأن الدليل الخاص دل علي أنه ليس منهم ، فكان الواجب الوقوف عند ما دل عليه الدليل دون تجاوز أو تعنت ، ولذا يؤاخذ القاتل في هذه الحالة ويجب عليه القصاص أو الدية شرعا جزاءا وفاقا .
 
الزاوية الرابعة :
أنك لن تستطيع أن تفهم الحديث بدقة إلا إذا ميزت بين :
1ـ التواجد العام أو تكثير السواد في ظل القدرة والسلطان / أو انعدامهما ..
2ـ ثم التواجد في (المجلس الخاص) بالإرادة الحرة ..
3ـ أما حالة مجلس قد انعقد لأهداف ونوايا متعددة ..
وهو ما نتناوله بشئ من البيان

1ـ التواجد العام أو تكثير السواد في ظل القدرة والسلطان أو انعدامهما :
فالتواجد العام بين أهل الشرك في دار الكفر ... أسواقهم وشوارعهم ومساكنهم ومراكز أعمالهم ، أو أن يجمعك بهم الطريق أو العمل ... وما شابه ذلك...فهذا تكثير سواد للمشركين ولكن يحكمه عندئذ قواعد وأحكام الهجرة ، وحيث نفرق فيه بين :
ـ تارك الهجرة مع القدرة ،
ـ وتارك الهجرة لكونه من أهل الأعذار الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، فالمؤمنين في هذا التصور قلة مستضعفة ومستأمنة أو مضطهدة بين أهل الشرك ، وكما قال تعالي :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) النساء
• فانعدام القدرة والسلطان وانتفاء ولاية الإسلام التي تأخذ علي يد الظالم أو الفاسد أو ما شابه ذلك في دار الكفر أو الحرب ، لا ينبغي أن يتحمل مسئوليتها المسلم (العاجز) المتواجد بين أهل الشرك حال ظهور معالم أو مظاهر لهذه العقائد الفاسدة في المجتمع الذي خرج عنه المسلم وفاصلة عقائديا ، وإن عجز عن الهجرة من بين أيديهم ، وسيأتي بيان ذلك في صفحات قادمة بإذن الله وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم تواجد بين المشركين في مكة وهم معلنون بشركياتهم وأصنامهم في ربوع مكة دون أن يستطيع أن يغير شيئا من ذلك ، حتي عام عُمرة القضاء لم يغير شيئا من ذلك ، بخلاف الحال بعد فتح مكة وحيث كان تحطيم الأصنام وإزالتها أول ما قام به المسلمون بمكة بعد الفتح ،
- وبخلاف ما وقع مع وفد ثقيف عندما بايعوا الرسول 
صلى الله عليه وسلم علي الإسلام ولم يسمح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإبقاء علي أصنامهم يوما واحدا بعد إسلامهم ....
- جميع هذا نُذكِّر به الآن وسيرد شيئا ما عن تفاصيله في صفحات قادمة ولكن هذه شواهد وأدلة واضحة وضوح الشمس علي دلالة معاني القدرة والتمكين والسلطان في اختلاف الأحكام حالة القدرة عن حالة العجز ، لمن فقه عن الها تعالي وعن رسوله الأحكام .

2ـ ثم حالة التواجد في (المجلس الخاص) بالإرادة الحرة :
وقد انعقد من أجل أن يكفر فيه بآيات الله أو يُستهزأ بها ، وقد تظاهروا بذلك ولو بمجرد المعصية ، وهذا ما ذكر فيه القرطبي ذلك الأثر الهام : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم وفي الوزر سواء، فينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن الرضا بالمعصية معصية . أ.هـ
• وجدير بالذكر أن المسئولية والمؤاخذة الثابتة وفق هذا النص هي المسئولية عن هذا الفعل الثابت من جراء هذا التواجد لا يذيد عليه ، ولذا يُمكن أن نقول :
ـ أن اجتماع المسلم مع أهل السؤ مسلمين أو مشركين في مجلس لشرب الخمر فهو اجتماع غير مشروع إبتداء ، مؤآخذ به كل من حضر معهم في حدود جريمة شرب الخمر لا في العقائد ...
ـ ومن اجتمع مع بعض أهل الشرك في فعل (الزنا) فهو مؤاخذ في حدود جريمة الزنا وما ثبت منها وبحسبها إذا اكتملت أركانها ، لا في العقائد ... وهكذا ...
3ـ أما حالة مجلس قد انعقد لأهداف ونوايا متعددة :
كالأسواق ، والمصالح العامة ، أو مظهر من المظاهر (المشروعة في الأصل) مما يجتمع له الناس ويتعاطوه فيما بينهم ، في أسواقهم أو تجمعاتهم ، أو للاعتراض علي الظلم ضد الظالمين أو ما شابه ذلك ... ثم صدر ما يعد معصية أو شرك من بعض الأفراد مع انعدام ولاية الإسلام ، فلا يؤاخذ المرء إلا في حدود نيته وقصده ، خاصة وقد يتضح للعيان أن المسلم يكره ذلك وينكره بلسانه أو بقلبه ، وإن كان لا يستطيع أن يُغيره لانعدام القدرة والسلطان وولاية الإسلام ، وهذا مما اشتهر ذكره بين أهل العلم وتعددت أدلته ، وتجده في قوله تعالي :
" وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" الأنعام والإسراء وفاطر والزمر
وما شابه ذلك من النصوص العديدة
• وإلا لكفر بمخالفة ذلك كل من ركب المواصلات / أو دخل الأسواق / أو التحق بمدارسهم وجامعاتهم / أو مؤسساتهم التجارية أو الصناعية أو الإدارية / أو ما شابه ذلك ... لمجرد أن المسلم خالط هؤلاء الأفراد من أهل الشرك وكثر سوادهم ... ولتوقع صدور شيئا من ذلك منهم دوما خاصة في ديار الشرك وتحت سلطان أهل الشرك ... وتواجد المسلمون بمكة ، قبل الهجرة ، وبها ما بها من مظاهر وعقائد شركية خير شاهد ودليل علي ذلك ...
• ولهذا يُمكننا أن نؤكد أن تحالف المسلمون مع القوي الثورية لم يتضمن سوي الاتفاق علي إزاحة النظام الفاسد الطاغي المتمثل في حكم العسكر ، هذا هو المطلب الوحيد الذي اتفقت عليه القوي الثورية ، وإن تعددت بعد ذلك مطالب كل طائفة عن الأخرى من عودة الرئيس المعزول للحكم أو إعادة الانتخابات الرئاسية ، وهكذا ... وفي جميع هذه الأحوال فهي مطالب ما بين المشروع وما بين أهون الضررين في حس أهل الإسلام وقواعد شريعته ، بالنسبة لحالة الآمان التي يطمح إليها أهل الإسلام .

زاوية خامسة غاية في الأهمية :
كما يجب التمييز بين هيئتين غاية في الخطورة لا يحل تجاهل العلم بالفرق بينهما :
حالة تكثير السواد في مواجهة المسلمين لإيقاع الضرر بهم
وبين حالة تكثير السواد ضد مشركين ولو مع مشركين أقل منهم شرا لمصلحة شرعية حقيقية.
لأن تكثير السواد ضد المسلمين وفي مواجهتهم يُدخل عليهم الحزن والغم والهم
أما تكثير السواد في مواجهة أهل الشرك فهو الأمر المختلف بالتمام ، حيث الهم والغم يلحق أهل الشرك من أهل الإسلام ،
فعن تكثير السواد في مواجهة أهل الشرك
قال الشيباني رحمه الله:
وَلَوْ قَالُوا لِلْأُسَرَاءِ : قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ ، عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ إذَا انْقَضَتْ حَرْبُنَا لَوْ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ .
لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَذَا الْأَسْرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا دُونَ مَا إذَا كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ ، فَكَمَا يَسَعُهُمْ الْإِقْدَامُ هُنَاكَ ، فَكَذَلِكَ يَسَعُهُمْ هَا هُنَا .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَسَعُهُمْ هَذَا وَفِيهِ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؟ لِأَنَّهُمْ إذَا ظَفِرُوا بِعَدُوِّهِمْ فَآمَنُوا جَانِبَهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ .
وَرُبَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ فَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
قُلْنَا : ذَلِكَ مَوْهُومٌ ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ الْآنَ مِنْ النَّجَاةِ عَنْ أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ بِهَذَا الْقِتَالِ مَعْلُومٌ ، فَيَتَرَجَّحُ هَذَا الْجَانِبُ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا مِنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِأَعْدَادِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِتُخَلِّصَهُمْ بِهِ مِنْ الْأَسْرِ وَإِنْ كَانُوا يَتَقَوَّوْنَ ، بِمَا يَأْخُذُونَ ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ . أ.هـ
• وأما عن عن تكثير السواد في مواجهة المسلمين فقد اختلف الأمر
وفي هذا يقول الشيباني رحمه الله :
2978 - وَلَوْ قَالُوا أَعِينُونَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ أَوْ بِتَكْثِيرِ سَوَادٍ عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ هَذَا .
لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لَهُمْ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ . وَلَا فِي إلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ ، مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَا هُنَا . أ.هـ
• ويقول عن القتال ضد أهل الإسلام أو تكثير السواد ضدهم :
2974 - وَإِنْ قَالُوا لَهُمْ قَاتِلُوا مَعَنَا الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ لَمْ يَسَعْهُمْ الْقِتَالُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ . لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِهِ .
فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : اُقْتُلْ هَذَا الْمُسْلِمَ وَإِلَّا قَتَلْتُك .
2975 - فَإِنْ هَدَّدُوهُمْ يَقِفُوا مَعَهُمْ فِي صَفِّهِمْ وَلَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ . لِأَنَّهُمْ الْآنَ لَا يَصْنَعُونَ بِالْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَظَالِمِ .
2976 - وَأَكْبَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَلْحَقَ الْمُسْلِمِينَ هَمٌّ لِكَثْرَةِ سَوَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ ( ) ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ ، فَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقِفُوا مَعَهُمْ فِي صَفٍّ ، وَإِنْ أَمَرُوهُمْ بِذَلِكَ .
لِأَنَّ فِيهِ إرْهَابَ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءَ الرُّعْبِ وَالْفَشَلِ فِيهِمْ ، وَبِدُونِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لَا يَسَعُ الْمُسْلِمَ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ . أ.هـ
فلم يكن الأمر في تكثير السواد ضد المسلمين بنفس شدة حكم القتال ضده المسلمين ، بل أقل خطرا بيقين ....
• وبمثل هذا ورد في المبسوط للإمام السرخسي رحمه الله وفيه يُعيد علينا الإمام السرخسي التذكير بواقعة قتال الزبير رضى الله عنه مع النجاشي ودعاء المسلمين له بالنصر علي عدوة وحيث يقول : وإذا كان قوم من (المسلمين مستأمنين) في دار الحرب فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم ; لأن في القتال تعريض النفس فلا يحل ذلك إلا على وجه إعلاء كلمة الله عز وجل وإعزاز الدين, وذلك لا يوجد ههنا ; لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام ، فكان قتالهم في الصورة لإعلاء كلمة الشرك ، وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك ؛ فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم ، لا لإعلاء كلمة الشرك , والأصل فيه حديث جعفر [الزبير] رضى الله عنه , فإنه قاتل بالحبشة العدو الذي كان قصد النجاشي , وإنما فعل ذلك ; لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمناً عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف . أ.هـ
• وبمثل هذا ما ذكره ابن حجر الهيثمي : وللمسلمين أن يقاتلوا كلاً من الطائفتين ، وأن يقاتلوا إحداهما ، لا بقصد نصرة الطائفة الأخرى ، بل بقصد إعلاء كلمة الإسلام ، وإلحاق النكاية في أعداء الله تعالى ، ومن فعل ذلك بهذا القصد حصل له أجر المجاهد لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر البخاري وغيره: [من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله] أ.هـ
فذلك مما ورد به النص بمشروعيته وتكاثرت به أقوال أهل العلم وقد عولوا بطرق موثقة علي مقاصد المكلفين في هذا ،
• فكيف يوصف من خرج دفاعا عن حق وعن حرمات الدين وحرمات المسلمين وحرياتهم ، أو لدفع ظلم يحيق بأهل الإيمان وغيرهم ، ويبذل في سبيل ذلك نفسه ومهجة روحه وأمانه لتحقيق هذا الصالح العام ودفع هذا الخطر المحقق ....
كيف يقال عنه أنه ما خرج إلا تكثيرا لسواد المشركين !!!
سبحانك هذا بهتان عظيم ...
• فهذا ما دعانا إلي التنبيه إلي ملاحظة الفرق والتمييز بين هيئتين غاية في الخطورة لا يحل تجاهل العلم بالفرق بينهما :
ـ حالة تكثير السواد في مواجهة المسلمين لإيقاع الضرر بهم
ـ وبين حالة تكثير السواد ضد مشركين ولو مع مشركين أقل منهم شرا لمصلحة شرعية حقيقية.
• زاوية أخيرة ـ
من يُكثِّر سواد من ؟
هذه زاوية في النظر خطيرة ودقيقة وغاية في الأهمية
فرضتها علينا أحداث القصة المشهورة المتعلقة بحصار كفار قريش للرسول 
صلى الله عليه وسلم وأصحابه بشعاب مكة ،
حصار أهل مكة الجائر للنبي 
صلى الله عليه وسلم هل نستطيع أن نُعيد إلي الأذهان واقعة (حصار الشعب) التي تواطأت جميع قبائل قريش ضد (بني هاشم) و (بني المطلب) لنري كيف كان حكم [ تكثير السواد ] في مواجهة المحن الكبري التي يتعرض لها المسلمون (القلة) (المُستضعفون) : فقد كان حصار أهل مكة الجائر للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من بني هاشم وبني المطلب في بداية المحرم سنة سبع من البعثة النبوية واستمر نحو ثلاث سنين،
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:
لما رأت قريش أمر رسول الله 
صلى الله عليه وسلم يعلو والأمور تتزايد أجمعوا أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب وبني عبد مناف ألا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة... فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب [ مؤمنهم وكافرهم ] ؛ إلا أبا لهب فإنه ظاهر قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب، وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وبقوا محصورين مضيقاً عليهم جداً مقطوعاً عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغ بهم الجهد... ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأنه أرسل إليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم؛ إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه فخرج إليهم فأخبرهم أن ابن أخيه قال كذا وكذا، فإن كان كاذباً خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقاً رجعتم عن ظلمنا، قالوا: أنصفت... فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ازدادوا كفراً وعناداً... وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب. وذلك سنة عشر من بعثته صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك غير واحد من أهل السير، ويذكر أهل السير أنه بعد هذه الحادثة تعاقد نفر من عقلاء قريش [مشركين] على نقض هذه الصحيفة وسعوا في ذلك حتى حصل، وهؤلاء النفر هم: هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وزهير بن أبي أمية المخزومي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي. والله أعلم. أ.هـ زاد المعاد أبن القيم
***
• فهذه صورة تُعبر عن حقيقة واقعية قد يحيا بها المسلم في بعض الأوقات حال ضعف أهل الإسلام وتكاتف قوي الشر ضدهم ...
• حالة تتعلق بما إذا كانت الحرب علي الإسلام عقيدة وديانة وهوية ، وأن هذا العدوان قد فرض علي كل مسلم قادر علي الدفاع عن هذا الدين ضد كيد أعداءه أن يتحمل مسئولياته في الدفاع عن عقيدته وهويته ، فقد وجب عليه النهوض لهذا فرض عين بلا تردد ولا شك ، وأن المسلمين لا يُعذروا في التخلف عن هذا النوع من الجهاد ، وهو [جهاد الدفع] ضد العدو الصائل علي المسلمين وعقيدتهم وهويتهم ، فإذا خرج المسلمون لذلك وخرج معهم من غير المسلمين من يُعينهم علي ذلك ، فمن الذي يُكثر سواد من ؟؟؟ !!!
• ومن الذي يقف في صف من ؟؟؟ !!!
فهذا شبيه بالتمام لموضوع حصار كفار قريش للرسول 
صلى الله عليه وسلم و أصحابة بشعاب مكة وقد تضامن مع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب علي شركه وسائر بني هاشم وبني المطلب برغم عدم إسلامهم !!!
الصورة المنكوسة :
• فكيف إذا ما وجد غير المسلمين من أهل الشرك ، ممن خرجوا للدفاع عن هذا الدين ضد أعداءه ثم يكتشف هؤلاء المشركون أن المؤمنين الموحدين ، أدعياء الإسلام الحقيقي ، والذين ملؤا الدنيا ضجيجا في الدعوة إلي المعتقد الصحيح ، ثم كانوا أول من خذل هذا الدين وهذه العقيدة ضد هجمات العلمانيين والصليبيين !!!
• أليس ذلك من العجب !!!
• أليس ذلك من الخزي !!!!
• أليس ذلك من التناقض !!!
• تري لو أن المسلمون في (حصار الشعب) طلبوا من أهل الشرك ، أبو طالب ومن معه من بني هاشم وبني المطلب وبني عبد مناف ، لو طلبوا منهم مغادرة الشعب لأن هذا الحصار قد فرض ضد الإسلام وضد المسلمين فقط ، ولا نريد تواجد مشركين معنا في الشعاب حتي لا يكون ذلك من تكثير سواد أهل الشرك !!!
هل كان هذا هو عين الصواب في المسألة ؟؟؟
أم أن عين الصواب هو ما أتت به السنة !!!
• فهؤلاء البلهاء الذين يطالبون القلة المؤمنة علي قلتها ، بعدم المشاركة في التظاهرات ضد النظام الفاسد بالمشاركة مع القوي الوطنية الأخرى ، أو التحالف معها وإلا كانوا كفارا مثلهم ، ثم يطالبوننا أن نقف في أحد الميادين العامة ، وحدنا ، لنعلن ما نريد من مطالب وما نعترض عليه من نظام أو ظلم أو استبداد .... ألخ ... ألخ ... ونرفع من أجل ذلك اللافتات ونردد الصيحات ، هذا كلام من لا يعي السنة ، وأعجبه عقله ، فقدم عقله القاصر التافه ليضع للمسلمين الخطط والرؤية والمناهج النظرية التافهة والتي إذا طاوعة المسلمون فيها لتم استئصالهم بكل سهولة ويُسر علي أيدي من قاموا للاعتراض عليهم أو المطالبة بإسقاطهم !!!
• فهذا ما انتهينا إليه في شأن موضوع تكثير السواد الذي يتضح من خلال ذلك أن الأمر ليس علي إطلاقه ، بل تكتنفه زوايا كثيرة ومن أهمها :
- التعويل علي النية ...
- ثم حالات التمكن والقدرة والسلطان /أو انتفاء ذلك
- حالة تكثير السواد في مواجهة المسلمين / أم في مواجهة غير المسلمين ؟؟
- من يُكثِّر سواد من ؟؟
وبالله التوفيق
انتهي والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين ومن اتبعه بإحسان
كتبه
عبد الرحمن شاكر نعم الله
حلمي هاشم
تم قراءته 4723 مره

صفحتنا على الفيس بوك

عدد الزوار

39167882
اليوم
أمس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضى
هذا الشهر
الشهر الماضى
الكل
56656
105909
598982
37836837
2369234
3271786
39167882
Your IP: 54.80.234.9
Server Time: 2017-06-23 11:58:41

أحصائيات الموقع

استطلاع الرأى

الكتاب المفضل عندك ....

الميزان فى معرفة الاركان - 0%
الطاغوت - 50%
احكام الذرية - 50%

Total votes: 2
The voting for this poll has ended on: 15 أيلول 2013 - 07:58
تصميم و تطوير ASHRF100