السبت, 01 تشرين2/نوفمبر 2014 17:11

خطأ القول بأن [فاعل الكفر الأكبرـ المعين ـ لا يكفر إلا بعد البيان أو إقامة الحجة عليه من قبل العلماء ]

بيان خطأ من ذهب إلى القول بأن
[فاعل الكفر الأكبرـ المعين ـ لا يكفر إلا بعد البيان أو إقامة الحجة عليه من قبل العلماء]
وذلك للوجوه التالية:-
 



الوجه الأول:- 
مخالفة هذا القول ومناقضته لقواعد الاشتقاق المنصوص عليها لغة وشرعاً، وهي ذات القواعد التي قضت بأن فاعل السرقة حقيقة يسمى سارق/ وأن فاعل الزنا حقيقة يسمى زانٍ / وأن فاعل جريمة القتل حقيقة يسمى قاتل،.../ وبنفس هذه القواعد الشرعية هي التي قضت بأن 
فاعل الشرك الأكبر حقيقة هو المشرك وأن فاعل الكفر الأكبر حقيقة هو الكافر.

الوجه الثاني:-
إن الحجة في التكاليف الشرعية هي القرآن والسنة وما يقرراه هو الأصل في الأحكام. وكل أصل لم يقل به القرآن والسنة فليس بأصل؛ قال ابن القيم رحمة الله عن هذه الأصول والقواعد غير المستندة إلى دليل من القرآن أو السنة: أما أن نقعد قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلعمر الله لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد أ.هـ[[1]]
والقائل بأن فاعل الكفر الأكبر لا يكفر بفعله حتى [يبين له وتقام عليه الحجة] هو قول مخالف لصريح القرآن والسنة المصرحة بكفره ومناقضة للسنة الموجبة لاستتابته.

الوجه الثالث:- 
أن النصوص الشرعية والسنة المطهرة وفعل أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم لم تفرق بين كافر بلغته دعوة الإسلام وكافر لم تبلغه الدعوة، بل الجميع في ميزان الشريعة وصريح النصوص كافر على غير دين الإسلام من مرتدين أو من سائر الأمم الأخرى والملل، والفارق الوحيد بينهما أن من لم تبلغه الدعوة كافر لا يجوز قتله قبل دعوته؛ ففي الحديث الصحيح عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله 
صلى الله عليه و سلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً. وفيه قوله صلى الله عليه و سلم: [وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ـ أو خلال ـ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم...] الحديث رواه أحمد ومسلم وغيرهما.
قال الشوكاني رحمة الله: فيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة، وفي المسألة ثلاث مذاهب: الأول: أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه. وبه قال مالك والهادوية وغيرهم، وظاهر الحديث معهم.
والمذهب الثاني: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بغلتهم ولكن يستحب، قال ابن المنذر: وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه وبه يجمع بين ما ظاهرة الاختلاف من الأحاديث أ.هـ
[[2]].
فانظر إلى عدم اختلاف الحكم بالكفر على أهل الكفر، ولم يفرق في ذلك بين من بلغته الدعوة ومن لم تبلغه، وأن الفارق الوحيد الذي يمكن إثباته بينهما هو ما ينبغي من دعوة من لم تبلغه الدعوة بينهم قبل قتالهم، فالأمر يتعلق بالقتال ولم يتعلق بحكم الكفر الثابت لديهم فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم وجعلوا الدعوة قبل قتالهم وقبل الحكم بكفرهم، ولم يكن ذلك هو الوارد بنص القرآن أو السنة، وقد تكاثرت الغزوات والسرايا والبعوث والفتوحات خلال عصر النبوة وما بعدها ولم يكن الكافر الذي لم تبلغه الدعوة موضع شك في كفره في أي من هذه البعوث.
قال الإمام ابن تيمية في ذلك: وسر ذلك أنا لا نجيز قتل كافر حتى نستتيبه؛ بأن يكون قد بلغته دعوة محمد 
صلى الله عليه و سلم إلى الإسلام، فإن قتل من لم تبلغه الدعوة غير جائز، والمرتد قد بلغته الدعوة، فجاز قتله كالكافر الأصلي الذي بلغته، وهذا هو علة من رأى الاستتابة مستحبة، فإن الكفار يستحب أن ندعوهم إلى الإسلام عند كل حرب، وإن كانت الدعوة قد بلغتهم، فكذلك المرتد، ولا يجب ذلك فيها أ.هـ[[3]].
كما قال رحمة الله: يؤيد ذلك أن المرتد أغلظ كفراً من الكافر الأصلي: فإذا جاز قتل الأسير الحربي من غير استتابة فقتل المرتد أولى أ.هـ.
كما قال في شأن المرتد وكيف أنه أخبث حالاً من الكافر الأصلي: أن المرتد يجب قتله عيناً وإن لم يكن من أهل القتال، والكافر الأصلي لا يجوز أن يقتل إلا أن يكون من أهل القتال، كما يجوز استبقاؤه بالأمان، والهدنة، والذمة، والإرقاق، والمن، والفداء
[[4]]وأما المرتد فلا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل أ.هـ[[5]].
فالنصوص لم تفرق بين كافر بلغته الدعوة وكافر لم تبلغه، إلا في شأن القتال لا الحكم بالكفر. وقد جعلت المرتد وهو صاحب فعل الكفر بعد الإسلام في مرتبة (الكافر الذي بلغته الدعوة)، بل هو شر منه .وهل الكافر الذي بلغته الدعوة يحتاج أن يبين له للحكم بكفره !!!

هامش
([1]) إعلام الموقعين. ابن القيم جـ2، صـ560 [المثال التاسع والثلاثون].
([2]) نيل الأوطار. الإمام الشوكاني. جـ7 (باب الدعوة قبل القتال) صـ236.
([3]) الصارم المسلول. ابن تيمية. صـ 321/322.
([4]) الصارم المسلول. ابن تيمية. صـ 321/322.
([5]) المصدر السابق صـ325.

الوجه الرابع: -
إن هذه الشريعة الغراء لم تأتِ بتكفير المصرّ على الذنب أو المعصية أياً كانت المعصية، عدا الشرك أو الكفر الأكبر؛ حيث يكفر صاحبه بمجرده، والقول بعدم تكفير فاعل الشرك إلا بعد البيان أشبه في الضلال والإنحراف بالقول بتكفير المصر على الذنب أو المعصية،غير أن الأول صاحب تفريط مخل والثاني صاحب إفراط وغلو ، وحيث المصر على الذنب هو المتكرر الفعل له، حتى مع نهيه عن ذلك، وكلا القولين من الباطل ومخالف لما صرَّحت به النصوص قرآنا وسنة من تكفير فاعل الكفر أو الشرك الأكبر بمجرده، كما ورد في قوله تعالى
﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة:74]
وكيف يظن عدم تكفير المتكلم بالكفر أو فاعله، رغم أن طائفة منهم جاؤوا ليعتذروا عن فعلهم هذا بادعائهم " إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ" فقيل لهم " لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" [التوبة] فلم يتوقف الحكم بتكفيرهم على بيان عالم ولا على حجة تقام مع ظهورها ، ولم يدفع الحكم عنهم حتى الاعتذار المجرد؛ قال ابن تيمية رحمة الله: قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه و سلم والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر أ.هـ
[[1]]. 
فأين توقف الحكم بكفر أمثال هؤلاء على البيان أو إقامة الحجة أو مثل هذا الكلام الذي ما أنزل الله به من سلطان؟!
وقال أيضاً رحمة الله: 
وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافراً؛ إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله أ.هـ[[2]].
وقال أيضاً: أن النبي 
صلى الله عليه و سلم كان له أن يعفو عمن شتمه وسبَّه حال حياته، وليس للأمة أن تعفوا عن ذلك، ويوضح ذلك أنه لا خلاف أن من سب النبي صلى الله عليه و سلم أو عابه بعد موته من المسلمين كان كافراً حلال الدم، وكذلك من سب نبياً من الأنبياء أ.هـ[[3]]
هامش
([1]) الصارم المسلول. ابن تيمية صـ4.
([2]) المرجع السابق صـ 177. 
([3]) المرجع السابق صـ266.

الوجه الخامس:- 
أنه من المعلوم أصولياً أن كل عبادة تخلف عنها شيئاً من أركانها الأساسية أو شروط صحتها كانت عبادة باطلة لا تجزئ عن صاحبها ولا تبرأ بها الذمة
[[1]].
ولما كان الكفر الأكبر والشرك المخرج من الملة مما يناقض أركان الإيمان الرئيسية؛ وكما قال تعالى
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء:136].
وهو أي الكفر الأكبر والشرك المخرج من الملة مما يناقض أيضاً أركان التوحيد الأساسية؛ وكما قال تعالى:
﴿إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدَا﴾ [النساء:116]. والنصوص في ذلك كثيرة.
فإن ادعاء الإسلام أو الإيمان مع التلبس بشيء من أنواع الكفر الأكبر أو الشرك المخرج من الملة يناقض:
أ ـ أركان الإيمان الرئيسية.
ب ـ كما يناقض أركان التوحيد الأساسية.
وكل عبادة تخلف ركن من أركانها الأساسية فهي عبادة باطلة في ميزان الشريعة، وهكذا ادعاء الإسلام مع التلبس بشيء من الكفر أو الشرك الأكبر ادعاء باطل لا يجزئ عن صاحبه شيئا، بل هو مردود عليه حتى يأتي بما دلت عليه النصوص صراحة من وجوب الانتهاء عن الشرك أو الكفر حتى يحكم له بالإسلام، وقد تكاثرت في إثبات ذلك الأدلة؛ ومنها قوله تعالى:
﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ
وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:19].
قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية المباركة: قوله تعالى " وَإِن تَنتَهُواْ" أي عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله " فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ" أي في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى " وَإِن تَعُودُواْ" كقوله " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " معناها وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة" وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ"أ.هـ.
فانظر كيف جعل العلامة الصالحة للحكم بإسلامهم هو (الانتهاء عن الشرك )وحذَّرهم مغبَّة العودة إليه " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " فكيف إذا عادوا إليه لا يحكم بكفرهم؟!.
وبمثل هذا يقول تعالى: [الأنفال:38]
﴿قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ﴾
قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية الكريمة: "قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ " أي عمَّا هم فيه من الكفر والمشاقَّة والعناد، ويدخلون في الإسلام والطاعة والإنابة. "يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ" أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله [r] قال: [من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر]. وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: [الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها].
وقوله "وَإِنْ يَعُودُواْ " أي يستمروا على ما هم فيه. "فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ" أي فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. أ.هـ.
وقد أمر تعالى بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ويكون الدين كله لله، فكيف يرد الأمر بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ثم إذا وقع نفس هذا الشرك من أدعياء الإسلام فلا شيء عليه، ولا يكفر بذلك ! سبحانك هذا بهتان عظيم، وضلال مبين، ومعاندة لما أرسل الله به النبي الأمين؛ فقد قال عز من قائل: [الأنفال:39].
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
قال ابن كثير: قال الضحاك عن ابن عباس " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" يعني لا يكون شرك وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد.
وقوله " فَإِنِ انْتَهَوْاْ" أي عما هم فيه من الكفر فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم " فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" كقوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ الآية. وفي الآية الأخرى "فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ" أ.هـ.
وتتكاثر في ذلك النصوص الدالَّة على أن الحكم بالإسلام لا يكون إلا بترك الشرك كلية والانتهاء عنه؛ وكما قيل: [ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك].
ومن ثم فإن القول بعدم كفر فاعل الشرك الأكبر إلا بعد البيان تصحيح لعقائد فاسدة باطلة في ميزان الشريعة، وما في ذلك من مناقضة للأصول الحاكمة وتعطيل للأحكام الشرعية الصادقة الصحيحة بغير مبرر شرعي.
وقد ورد النص الصريح في المواطن المتعددة بكفر من فعل الشرك أو الكفر، ولم يقل أحد بعدم تكفيرهم حتى يبين لهم، فهذا ما لم تقل به النصوص ولا فرضته؛ وقد قال تعالى: [البقرة:34].
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
وقال وعز من قائل: ﴿لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة:73].
وقال فيمن تكلم بكلمة الكفر الصريحة:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة:74]
فهل وجد القارئ الكريم في جميع هذه النصوص وغيرها كثير جداً ما يدل على عدم إطلاق الحكم بالتكفير إلا بعد البيان؟!
 


الوجه السادس :

فقد قال تعالي : ﴿قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ﴾ [الأنفال:38]
وقال تعالي :
﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال:19].وقال تعالي :
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا  [الإسراء:8]
فإذا كان المولي تبارك وتعالي قد جعل من الانتهاء عن الشرك هو العلامة الصالحة للحكم بإسلامهم
فقد جعل أيضا من العودة إلي الشرك سببا لعودة ما يستحقون من أحكام في الدنيا ووعيد بالعذاب في الدنيا و الآخرة ، فقد قال ابن كثير رحمة الله في هذه الآية الكريمة : وقوله تعالى " وَإِن تَعُودُواْ" كقوله " وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا " معناها وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة" وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ"أ.هـ.
وقال في الأية الأخري :"قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ " أي عمَّا هم فيه من الكفر والمشاقَّة والعناد، ويدخلون في الإسلام والطاعة والإنابة. "يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ" أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله 
صلى الله عليه وسلم قال: [من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر]. وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها].
وقوله "وَإِنْ يَعُودُواْ " أي يستمروا على ما هم فيه. "فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأوّلِينِ" أي فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. أ.هـ.
وقد أمر تعالى بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ويكون الدين كله لله، فكيف يرد الأمر بقتال أهل الشرك حتى ينتهوا عما هم فيه من الشرك، ثم إذا وقع نفس هذا الشرك من أدعياء الإسلام فلا شيء عليه، ولا يكفر بذلك ! سبحانك هذا بهتان عظيم، وضلال مبين، ومعاندة لما أرسل الله به النبيين؛ فقد قال عز من قائل:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الأنفال:39].
قال ابن كثير: قال الضحاك عن ابن عباس " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" يعني لا يكون شرك وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم.
وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد.
وقوله " فَإِنِ انْتَهَوْاْ" أي عما هم فيه من الكفر فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم " فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" كقوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ الآية. وفي الآية الأخرى "فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ" أ.هـ.
وتتكاثر في ذلك النصوص الدالَّة على أن الحكم بالإسلام لا يكون إلا بترك الشرك كلية والانتهاء عنه؛ وكما قيل: [ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك].
§ ومن ثم فإن القول بعدم كفر فاعل الشرك الأكبر إلا بعد البيان :
§ تصحيح لعقائد فاسدة باطلة في ميزان الشريعة،
§ وما في ذلك من مناقضة للأصول الحاكمة
§ وتعطيل للأحكام الشرعية الصادقة الصحيحة بغير مبرر شرعي.
وقد ورد النص الصريح في المواطن المتعددة بكفر من فعل الشرك أو الكفر، ولم يقل أحد بعدم تكفيرهم حتى يبين لهم، فهذا ما لم تقل به النصوص ولا فرضته؛ وقد قال تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:34].
وقال وعز من قائل: ﴿لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾[المائدة:73].
وقال فيمن تكلم بكلمة الكفر الصريحة:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾[التوبة:74]فهل وجد القارئ الكريم في جميع هذه النصوص وغيرها كثير جداً ما يدل على عدم إطلاق الحكم بالتكفير إلا بعد البيان؟!


الوجه السابع : 
أيضا القول بعدم تكفير فاعل الشرك الأكبر المنصوص على كفر فاعله، ثم ادعاء أن تكفيره يتوقف على البيان من قبل العلماء، فيه إهدار لحرمة القرآن والسنة وحجيتهما وما جاءا به من أحكام، إذ جعل الحجة والمؤاخذة والتكفير على مخالفة بيان [العالم] لا على مخالفة ما جاء به القرآن العظيم والسنة المطهرة.
والعالم غير معصوم، وقوله لا يعد حجة، بل يعرض قوله على القرآن والسنة، والحجة هي القرآن والسنة لا غيرهما، وكل ما يخالف القرآن والسنة من أقول فلا حجة فيه، بل هو موضع ذم .
فيكف توقف الأحكام على قول من لا يعد قوله حجة، وبالمعاندة لصريح نصوص القرآن والسنة؟! هذا من التنقص بالقرآن والسنة ومن المعاندة لهما؛ قال الإمام مالك رحمة الله: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. أ.هـ[.إعلام الموقعين. ابن القيم. جـ1، صـ68.
وقد تكاثرت أقوال الأئمة وسلف الأمة بمثل ذلك.


الوجه الثامن : 
أن القول [بأن فاعل الشرك الأكبر لا يكفر إلا بعد البيان] إن كان حقاً وصدقاً وقاعدة في صلب هذه الشريعة الغرَّاء، لكان مقتضى ذلك أن يكون عليها العمل في تطبيقاتها الجزئية. فإذا خرجت التطبيقات الجزئية عن مقتضى هذا العموم سقط ادعاء كون ذلك قاعدة في العمل وسقط ادعاء صدق القول بها؛ وذلك كالحال الذي ادعاه اليهود في مواجهة القرآن الكريم، وكيف ردَّ الله تعالى عليهم بما يسقط ادعاءهم ويثبت كذبه، وذلك في وقوله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ
قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ﴾[الأنعام:91]
فادعاؤهم الكاذب بأن:" مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ" سقط بإثبات قضية جزئية يعلمون صدقها وإيمانهم بها، وذلك حين رد عليهم فقال: " قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ" وهي التوراة، وقد كانوا يؤمنون بها.
قال ابن كثير رحمه الله: سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة [مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ]وهو التوراة الذي قد علمتم وكل أحد علم أن الله قد أنزلها على موسي ابن عمران نوراً وهدي للناس أ.هـ.
فهكذا كل من ادَّعى قاعدة في أي أمر من الأمور، وادَّعى فيها ما يدعي:
- إذا لم يأت عليها بالدليل الصادق.
- وإذا لم تنقاد لها قضاياها الجزئية.
كان ذلك من الدليل القاطع للخصومة بأن هذا القول لا هو أصل ولا هو قاعدة.
وهذا القول أو الادعاء بأن: [فاعل الكفر أو الشرك الأكبر لا يحكم بكفره إلا بعد البيان]. يلزم للقول بصدقه وادعاء التقعيد له أو اعتباره حاكما على أفعال وأقوال الشرك الأكبر أن يتأيد ذلك بالدليل الصريح الواضح من نصوص القرآن والسنة، وهو ما يعجز عنه أصحابه يقيناً، وغاية ما لديهم أقوال لبعض العلماء قد وضعوها في غير مواضعها لتعلقها بأصحاب الكبائر العملية من زنا أو سرقة أو خلافه، أو بأصحاب الكبائر الاعتقادية البدعية لأهل البدع والأهواء، وحيث قد عُلم أن أحد أصول أهل السنة الكبار [أنا لا نكفر المعين منهم إلا باستحلال ما جنت يداه من معاص]، [وأن البدع العقائدية من جنس هذه الذنوب والمعاصي] وصاحب البدعة قد دخل في حكم هذا الأصل الكبير من أصول أهل الإيمان من أنه لا يكفر إلا باستحلال ما دخل فيه، ولا يعلم ذلك عنه إلا بالبيان، ولذا قيل عن أهل الكبائر الاعتقادية أن الفعل كفر والفاعل لا يكفر إلا بعد البيان الذي يثبت به استحلاله لهذه الكبيرة، وهو أمر غير مجمع عليه عند علماء السنة؛ حيث أن كثير من أهل السنة لا تكفر صاحب البدعة المخطئ لا قبل البيان ولا بعده كالإمام الخطابي، وكما صرح بذلك الإمام البغوى في شرح السنة، وغيره كثير.
فسوء الفهم عن الله وعن الرسول 
صلى الله عليه وسلم وعن علماء الأمة والسلف الصالح هو أصل كل ضلالة نشأت على أيدي أدعياء العلم فنسأل الله تعالى العفو والعافية.
فهذا من جانب.
ومن جانب آخر: أن القضايا الكلية والجزئية الكثيرة والعديدة بما لا يحصى والمنصوص عليها بنصوص الذكر الحكيم وسنة سيد المرسلين وقضايا الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام الطيبين والأئمة الأعلام، بخلاف هذا الذي ادعوا فيه مثل هذه القاعدة، بل قد قطعت بأن مرتكب الشرك الأكبر يكفر بمجرده، بل ولعله لا يشعر بكفره إذا لم يشعر بخطورة فعله، وهو ما ذكره السلف في تفسير قوله تعالى:
﴿يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ
وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾[المائدة:51].
قال القرطبي رحمة الله في ذلك:"وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ " أي هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك أ.هـ
وقال ابن جرير الطبري رحمة الله في تفسيرها: من تولى اليهود والنصاري من دون المؤمنين فإنه منهم، أي من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه أ.هـ.
وقال ابن حزم رحمة الله في نفس هذه الآية المباركة: صح أن قول الله تعالى: "وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ" إنما هو على ظاهرة: بأنه كافر من جملة الكفار وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين أ.هـ.
فأين قال علماء السلف في تفسير الآية أن حكمة يتوقف على البيان؟! وقد قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه في هذه الآية المباركة: ليتقِ أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، لهذه الآية " وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ" أ.هـ].كتاب مجموعة التوحيد الرسالة السادسة (أوثق عري الإيمان) شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب صـ132.
وهكذا قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الزمر:65].
قال ابن كثير رحمة الله: وهذا كقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ الآية أ.هـ.
فهذه هي النصوص الدالة على القواعد العامة في شأن الكفر أو الشرك الأكبر، ولم تتوقف أحكامها على الإطلاق على بيان سوى بيان القرآن العظيم وما جاء به سيد المرسلين؛ فالقرآن والسنة المطهرة هما حجة الله تعالى على خلقه عامة إلى يوم الدين، وقد صرحا بالنهي عن الشرك وتكفير فاعله؛ وقد قال في ذلك وأعاد: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ﴾[النساء:165].
وفي السيرة المطهرة قد اشتهر فعل عبدالله بن أبي السرح، وقد كان من كتبه الوحي، وكان يحرف في نصوصه وافتضح أمره وهرب إلى المشركين فحكم بردته وأهدر الرسول
صلى الله عليه وسلم دمه وأمر بقتله ولو وجد متعلقاً بأستار الكعبة، حتى عاد تائباً نادماً طالباً الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في قصة مشهورة لهذا الصحابي.
وقد قاتل أبو بكر الصديق رضى الله عنه ومعه سائر الصحابة أهل الردة من سائر قبائل العرب على تنوع مظاهر ردتهم؛ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله: والذي يبين ذلك قصة الردة، لأن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذَّب النبي
 صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى عبادة الأوثان وقالوا: لو كان نبياً ما مات، ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقرَّ بنبوة مسيلمة ظناً أن النبيصلى الله عليه وسلم في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور له بذلك، فصدقهم كثير من الناس، ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر. فإذا عرفت أن العلماءقالوا أن الذين كذبوهم ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أقر بنبوة مسليمة : في حال واحدة ولو ثبت على الإسلام كله، ومنهم من أقر بالشهادتين وصدق طليحة الأسدي في دعواه النبوة. ومنهم من صدق العنسي صاحب صنعاء،كل هؤلاء أجمع العلماء أنهم سواء.
ومنهم أنواع ، آخرهم الفجاءة السلمي لما وفد على أبي بكر رضى الله عنه وذكر له أنه يريد قتال المرتدين، وطلب من أبي بكر أن يمده، فأعطاه سلاحاً ورواحل، فاستعرض السلمي المسلم والكافر يأخذ أموالهم، فجهز أبو بكر جيشاً لقتاله، فلما أحسَّ بالجيش قال لأميرهم: أنت أمير أبي بكر، وأنا أميرة ولم أكفر.
فقال: إن كنت صادقاً فألق السلاح، فألقاه، فبعث به إلى أبي بكر، فأمر بتحريقه بالنار وهو حي.
فإذا كان هذا حكم الصحابة في هذا الرجل مع إقراره بأركان الإسلام الخمسة، فما ظنك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة؟ إلا أن يقول لا إله إلا الله بلسانه مع تصريحه بتكذيب معناها، وتصريحه بالبراءة من دين محمد
صلى الله عليه وسلم ومن كتاب الله، ويقولون هذا دين الخضر، وديننا دين آبائنا، ثم يفتون هؤلاء المردة الجهال أن هؤلاء مسلمون ولو صرحوا بذلك كله، إذا قالوا: لا إله إلا الله، سبحانك هذا بهتان عظيم أ.هـ.مجموعة التوحيد. الرسالة الأولى. صـ33.
فانظر كيف كانت قضية تكفير المعين على نحو من الوضوح التام عند الخلفاء الراشدين وصحابة الرسول الأمين وعلماء الأمة الصالحين، فضلاً عن صريح النصوص الدالة على ذلك قرآنا وسنة،
· فالقواعد الكلية قاطعة بكفر من فعل الشرك
· والقضايا الجزئية تطابق ما ورد النص عليه من قواعد
فأين تقرر أن المُعين لا يكفر إلا من بعد البيان !!!
ولكن خلف من بعدهم خلف حرفوا الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به، وقالوا في الدين بغير علم وأخذوا بسنن الأمم و عارضوا الأحكام بالشبه لا بالدليل، فالله تعالى نسأل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا أتباعه ويرينا الباطل باطل ويرزقنا اجتنابه، وأن يهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، أنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
 

الوجه التاسع :

أن الدليل الصريح دل علي عكس هذا الإدعاء بحيث نص علي أن كل من أشرك بالله مطالب بالحجة علي ما ذهب إليه من شرك ...
فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم وحرفوا كلمات أهل العلم والنصوص عن مواضعها فأغري العزيز الحكيم العداوة والبغضاء بينهم ولا يزالون مختلفين :
· فتتكاثر تلك النصوص التي تنص على تحديا واضحا وأمراً قاطعاً وحجة بالغة تقطع الخصومة في إثبات باطل ما ذهب إليه كل من أشرك بالله تعالي ولو ساعة من الزمان.
تلك النصوص التي تطالب كل من أشرك بالله في أي صورة من الصور , وسواء بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد أن يأتي بالبرهان والحجة على صحة ما اقترفه وما تلبس به من أفعال الشرك أو أقواله أو عقائده.
· وما ذلك إلا لكون التوحيد هو الحقيقة الوحيدة الدامغة في شأن الربوبية والإلهية , هذه الحقيقة الدامغة التي شهد بها الكون من حولنا وفي الآفاق وفي أنفسنا ، هذه الحقيقة التي فُطر الناس عليها وشهدت بها الفطرة ، هذه الحقيقة التي أرسل بها والبراهين عليها جميع رسل الله تعالي وأنبياؤه عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ، كما أنزلت بها الكتب من الله العزيز الحكيم وآخرها القرآن العظيم.
فتوحيد الله تبارك وتعالي ووحدانيته شهدت به السموات والأرض والكون , وتوافقت الفطرة التي فطر الله الناس عليها مع هذه الشهادة والتي آياتها وبراهينها أجل من أن تنكر وأعظم من أن تجحد , وقد شهدت بربوبيته العقول والأبصار قبل أن تستمع لدعوة الأنبياء الأبرار أو تقرأ نصوص قرآن الواحد الجبار ،وقد قال وعز من قائل: [ العنكبوت 61 ]
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
قال ابن كثير: لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم ... إلي آخره .. فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها ، فإذا كان الأمر كذلك: فلما يعبد غيره ؟ ولم يتوكل على غيره ؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته. وكثيراً ما يقرر تعالي مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية ، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك أ.هـ
· وهكذا لما كان الإقرار بربوبية الواحد القهار مما لا تختلف عليه العقول والأبصار كان مقتضى ذلك ألا يعبد إلا الله الواحد الذي لا نعلم له شريك في خلقه ولا في ملكه ، وهذه الحقيقة التي شهدت بها العقول والأبصار خاطبها بها العزيز الجبار وبمقتضاها؛ فقال وعز من قائل:
﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ البقرة: 22 ].
قال ابن كثير: عن ابن عباس : أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره ، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول r من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه. قال أبو العالية: ﴿ فلا تجعلوا لله أندادا ﴾ أي عزلاء شركاء. وقال مجاهد ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أي تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
كما قال ابن كثير أيضا في هذه الآية الكريمة : وهذه الآية دالة على توحيده تعالي بالعبادة وحده لا شريك له ، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع تعالي , وهي دالة على ذلك بطريق الأولى , فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة , علم قدرة خالقها وعلمه وإتقانه وعظم سلطانه.كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالي؟ فقال: سبحان الله ، إن البعر ليدل على البعير ، وإن الأثر لتدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير أ.هـ
فلا العلم بربوبية الله تعالي يغفله العالمون , ولا آياته الباهرة والشاهدة بكونه الإله الواحد المستحق وحده للعبادة والخضوع نوعاً من العلوم السرِّية التي لا ينالها إلا الخواص أو يعجز عنها طالبها , بل الحقيقة الدامغة في ذلك بل في سائر علوم الشريعة ما نص عليه محكم التنزيل:
﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ الآية.
· فلما كان التوحيد حق الله تعالي على جميع العبيد , وأول واجب على رؤوس جميع الخلائق ، دلَّ ذلك بما لا يدع مجالاً للشك أو اللبس أن هذا التوحيد وشواهده ودلائله يسع الناس جميعا العلم به بلا مشقة أو تعب , وأن أدلته أظهر الأدلة ,وبيناته أوضح البينات, وبراهينه أصرح البراهين, وحجته بالغة على العباد ، قال الشارح العقيدة الطحاوية  إن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر رحمة من الله بخلقه ) أ.هـ ([11]) شرح العقيدة الطحاوية صـ34.
· وقد تكفل الله تبارك وتعالي بإعانة عباده في رحلة طلبهم هذا العلم الذي يتقربون به إليه؛ فقد قال وعز من قائل :﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدكر ﴾ [ القمر: 17 ]. قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم بسنده عن مطر الوراق في قوله تعالي: ﴿ فهل من مُدكر ﴾ هل من طالب علم فيعان عليه ، وكذا علقه البخاري بصيغه الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير وروى عن قتادة مثله أ.هـ
أما أن يعرض الإنسان عن هذا العلم: [العلم بالله وبوحدانيته وبما لا يصلح إلا له من أنواع العبادة] ، ذلك العلم الذي شهد به الكون من حولنا وشهدت به الفطرة وجاءت الأنبياء تدعوا إليه , وأنزلت الكتب ببيان أحكامه وكل ما يتعلق بحقوقه وواجباته على أفضل ما يكون البيان وأوضح ما يكون البرهان , ثم يعرض الإنسان عن هذا كله , ليخترع من نفسه ولنفسه أنواعاً من الأرباب أو الأنداد المفتراة أو يخترع أنواعاً من العبادات ما أنزل الله بها من سلطان ، ثم يدعي الإيمان بالله ويحسب أنه على شيء , فهذا مما قطعت النصوص ببطلانه وذمه ، وردت عليه ما أتي به , بل ومطالبته بأن يقف مع نفسه وقفه يعلم بها الحق من الباطل فيما جاء به وافتراه ،
· ولذا نادت على كل مشرك من كل جانب وفي كل زمان ومكان أن يأتي بالحجة والبرهان على ما يدعيه من صحة ما ذهب إليه من أنواع الشرك , فإن استطاع ذلك وإلا فليشهد على نفسه وعلي من هو مثله أنهم أهل الشرك والعبادات الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ قال تعالي:
﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ الأنبياء: 24/25
قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالي: ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة قل ﴾ يا محمد ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ أي دليلكم على ما تقولون ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ يعني القرآن ﴿ وذكر من قبلي ﴾ يعني الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولونه وتزعمون فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق فأنتم معرضون عنه ، ولهذا قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾. قال: فكل نبي بعثه الله يدعوا إلي عبادة الله وحده لا شريك له ، والفطرة شاهدة بذلك أيضا ، والمشركون لا برهان لهم ، وحجتهم داحضه عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد أ.هـ
· فكل من أشرك بالله لا برهان له ولا حجة , بل هو تارك للبرهان والحجة التي قد أحاطت به وبآبائه وقومه وعشيرته , وذهب إلي متابعة وتقليد من لا حجة له من شيطان رجيم يأمره بالشرك , أو تقليد لأهل الشرك ومن اتبع هواه وكان أمره فرطا. ولذا فهو مطالب بما طولب به جميع من أشرك بالله؛
وكما قال الله عز وجل :
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ﴾ [ فاطر: 40 ].
وقال تعالي﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(المؤمنون
قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالي متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواه ومخبرا أن من أشرك بالله لا برهان له أي لا دليل على قوله؛ فقال تعالي: ﴿ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ﴾ وهذه جملة معترضة ، وجواب الشرط في قوله: ﴿ فإنما حسابه عند ربه ﴾ أي الله يحاسبه على ذلك ، ثم أخبر:﴿أنه لا يفلح الكافرون﴾ أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة أ.هـ
فانظر إلي قول ابن كثير عن أولئك الذين قال الله فيهم:
﴿ ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له فإنما حسابه عند ربه ﴾
أي الله يحاسبه على ذلك ، ولم يقل يقيم عليه الحجة التي لم تقام في الدنيا فيرسل إليه رسول جديد في الآخرة أو يدعوه إلي قراءة آيات القرآن في الآخرة يتعلم منها كيف يوحد الله تعالي ويفرده بالعبادة ، لم يقل أحد من المفسرين أبداً أن من جاء الله تعالي مشركا يوم القيامة يرسل إليه المولى تبارك وتعالي من يعلمه التوحيد ، هذا من أبطل ما يقال أو يظن مع صراحة قوله تعالي﴿ فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾ الآية.
· وفي هذا أيضا يقول المولى تبارك وتعالي:
﴿ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه أنه لا يفلح الكافرون ﴾ أ.هـ
فانظر كيف أن من أشرك بالله ما لم ينزل به برهان ولا دليل عليه , كيف أنه مطالب بالدليل على هذا الإفك الذي جاء به فهو به مفتر على الله كاذب في دعواه أن الله أمره بهذا أو أن الله يحب هذا أو يقبل منه هذا أو يعفو عن مثل هذا ﴿ أن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية.
· وفي هذا المعنى أيضا يقول المولى تبارك وتعالي: [الرعد: 33 ].
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾
قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالي: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ أي حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر ولا تخفي عليه خافية ، أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ولا تملك نفعا لذاتها ولا لعابديها ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها ، وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه ، وهو قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء ﴾ أي عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان ﴿ قل سموهم ﴾ أي أعلمونا بهم واكشفوا عنهم حتى يعرفوا , فإنهم لا حقيقة لهم ، ولهذا قال: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي لا وجود له لأنه لو كان لها وجود في الأرض لعلمها لأنه لا تخفي عليه خافية. ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ قال مجاهد: بظن من القول , وقال الضحاك قتادة: بباطل من القول , أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها آلهة ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظَّن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾.
﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ معناه أنه لما زين لهم ما فيه وأنه حق دعوا إليه وصدوا الناس عن إتباع طريق الرسل؛ ولهذا قال: ﴿ ومن يضلل الله فماله من هاد ﴾ كما قال: ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾ أ.هـ
· هذا هو البيان القرآني والتوجه الإلهي: أن كل من أشرك بالله ولو ساعة من الزمان مطالب بأن يأتي بالحجة والبرهان على صحة وصدق ما ذهب إليه ، وإلا فليعلم أنه قد تلبس بباطل ، وأن هذا الباطل هو الذي يفسد عليه دينه وآخرته لأنه أكبر الكبائر فهو الشرك بالله ولم يكن يوما مباحا أو مختلفا في حله أو حرمته ، وهكذا سائر الكبائر التي اتفقت الأديان والشرائع على النهي عنها وتحريمها كتحريم القتل وتحريم الزنا وتحريم الظلم جميع ذلك أظهر من كل علم آخر , وليس من شأن مرتكب الكبائر أن يجازي بالحسنات ، بل هو من أهل الوعيد ، فكيف إذا تعلق الأمر بالشرك الذي لا يغفره الله تعالي وليس بما هو دونه الذي يدخل في المشيئة الإلهية وفق ما دلَّت عليه النصوص وقطعت به الأحكام ،
ولما كانت جريمة الشرك أخبث الكبائر وهي الظلم العظيم كان النهي عنه أول المناهي على الإطلاق ووجوب الاحتراز منه أول الفرائض على الإطلاق في سائر الشرائع الربانية.
وقد علم ذلك قطعا بالضرورة , فلم يكن بعد لأحد أن يذهب إليه ويتلبس به بعد هذا البيان الرباني على ألسنة الرسل وما جاءت به الكتب ، وقد وافق الفطر السليمة ذلك كله ، ولذا عندما يقع من المرء ذلك يقال له: هاتوا برهانكم على ذلك إن كنتم صادقين ؟
هذا هو الترتيب الشرعي الصحيح في هذا الشأن لا أن يظن في المشرك حسن القصد أو النية !!
وكيف يصحح حسن القصد العمل الباطل ، أليس ذلك هو شأن المشركين دائماً؛ وكما قيل عن بعض ذلك: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفي ﴾ الآية.
إن التوجيه القرآني القاطع في حق كل من أشرك بالله أن يُدعى إلي إثبات صحة ما ذهب إليه من شرك ويطالب بالبرهان الصادق - إن وجد - على ذلك وإلا فليشهد أنه من أهل الباطل والشرك ، هذا ما عليه أهل الإيمان في مواجهة أهل الشرك والخسران؛ قال تعالي في مثل هذا:
﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ [ الكهف: 15 ].
قال ابن كثير رحمه الله تعالي في هذه الآية المباركة: عن هؤلاء الفتية المؤمنة وكيف واجهوا قومهم بهذه الحقيقة أنهم مشركون وطالبوهم بالحجة والبرهان على صحة ما اقترفوه من شرك , في بيان عملي صريح واضح فيما ينبغي أن تكون عليه عقيدة المسلم وأهل الإيمان في مواجهة كل من أشرك بالله ، قال ابن كثير في ذلك:
﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك أ.هـ
هذا ما دلت عليه النصوص الصريحة وقد تعددت في المواطن الكثيرة من آيات الذكر الحكيم ، 
فمن علم قدر هذه المعاني ووضوحها واتفاقها مع قواعد العقيدة الأساسية وأركان التوحيد ومقاصد الشريعة , علم قدر هذا العلم المحكم الذي جاءت به النصوص وخطورة معارضته بالمتشابهات منها أو من أقوال لم ترق إلي مستوى الحجة أو النص أو أقوال أخري لأهل العلم وضعت في غير موضعها خاصة ما ذكر منهم عن طوائف أهل البدع ممن خالفوا عقيدة أهل السنة والجماعة فعارض بها المنحرفون قضايا التوحيد وما يضاده من أفعال الشرك وأقواله الصادرة من أهل الجهل بالعقيدة الصحيحة وما يضدها فقالوا بعدم تكفير المعين ممن تلبس بالكفر أو الشرك الصريح حتي يقام عليه الحجة ، فأهدروا حجة القرآن الحكيم وسنة سيد المرسلين ، وعاندوا الحكم الصريح فلا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم اجعلنا من:
﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾
ولا تجعلنا من الذين قيل عنهم :
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾ [ آل عمران: 7 ].
والله الموفق والهادي إلي سبيل الرشاد فله وحده الحمد والمنة.
 

الوجه العاشر : 

أن مصنفات الفقه المختلفة في جميع المذاهب الفقهية على تعددها وانتشارها وقد احتوت على كتاب الجنايات وما اشتمل عليه من جرائم الحدود والقصاص والتعازير، ولا تكاد تجد في أي من هذه الجرائم ـ على تنوعها ـ أن قال أهل العلم بتوقف حكم الفاعل لأي منها على البيان أو التبيين أو إقامة الحجة) حتى يؤاخذ بما اقترفته يداه؛ من زنا أو سرقة أو قتل أو قذف أو خلافه،
وفي حد الردة و(المرتد) تحديداً، هو المظهر لشيء من الكفر بعد الإيمان، لم يذكر في هذا الباب شيئاً عن وجوب توقف الحكم على بيان العلماء، لم يكن هذا الادعاء محل ذكر البتة عند دراسة حد الردة،
بما يؤكد أنه قول محدث لا أساس له ولا مستند، بل جميع ما ذكره أهل العلم عن هذا المرتد هو وجوب استتابته مما اقترفه من أعمال الشرك أو الكفر، فإن تاب وإلا قتل. وقد تكاثرت الأمثلة العديدة في الفقه والتاريخ الإسلامي على ذلك، وقد اشتهرت على نحو ينفي ادعاء الجهالة فيه، ولم يكن من مستند لهذا الادعاء المحدث إلا هوى النفوس والمجادلة بالباطل عن المشركين فنسأل الله العفو والعافية.


الوجه الحادي عشر :
أنه لا يشترط في الكفر أو الشرك الأكبر التعدد ولا التكرار
فلا يشترط في إثبات الكفر وإجراء أحكامه أن يصدر من المكلف مراراً وتكراراً، بل ثبوت المرة الواحدة منه في حق المكلف يكفي في إثبات الحكم بالكفر في حقه:
ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] متفق عليه
قال ابن رجب الحنبلي رحمة الله: وفيه أن القتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين أ.هـ[
[1][12]].جامع العلوم والحكم. ابن رجب الحنبلي، شرح الحديث الرابع عشر.
وقد ورد بهذا الحديث الشريف ثلاثة أنواع من الجرائم استحق الفاعل لأي واحدة منها عقوبة القتل بلا خلاف: جريمة الزني، وذلك بالنسبة للزاني المحصن، وجريمة القتل العمد العدوان ،وجريمة الردة عن الإسلام. فهذه الجرائم الثلاث صارت جنساً واحداً باستحقاقها عقوبة واحدة، وهي ذات العقوبة المتمثلة في إهدار دم الفاعل وقتله، ولم يرد بالنص أو في غيره اشتراط تكرار الفعل من الزاني الثيب حتى يقال باستحقاقه لهذه العقوبة، وبالمثل لم يشترط في القتل العمد أن يقوم القاتل بارتكاب هذه الفعلة الشنعاء مراراً أو تكراراً، كي يستحق عقوبة القصاص منه، وبمثل هذا لم تشترط في أعمال الردة أو أقوالها والتي هي من جنس الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام أن تتردد على لسان المرء مراراً وتكراراً كي يحكم عليه بالكفر، ما دام قامت عليه البينة الصادقة بنسبتها إليه قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً. فهذا من قواعد وفقه ذلك الجنس من الجرائم التي تعد من أكبر المفاسد التي جاءت هذه الشريعة الغراء بمنعها والنهي الشديد عنها حفاظاً على أعظم مقاصد الشريعة المتمثلة في:
ـ حفظ الدين، وقد كانت الردة أعظم المفاسد التي ترد على أصل هذه المصلحة.
ـ وحفظ النفس، وقد كان القتل العدوان أعظم المفاسد التي ترد على أصل هذه المصلحة.
ـ وحفظ النسل والعرض، وقد كانت جريمة الزنا من أعظم المفاسد التي ترد على أصل هذه المصلحة.
وقد قال ابن تيمية رحمة الله في هذا الجنس من الجرائم المبيح لدم فاعله: 
أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله وكثيره / وغليظه وخفيفه في كونه مبيحاً للدم، سواء كان قولاً أو فعلاً؛ كالردة، والزنا، والمحاربة، ونحو ذلك. ثم أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رضخ رأس يهودي بين حجرين لأنه فعل ذلك بجاريه من الأنصار؛ فقد قتل من قتل بالمثقل قوداً مع أنه لم يتكرر منه، وقال في الذي يعمل عمل قوم لوط [اقتلوا الفاعل والمفعول به] ولم يعتبر التكرر.
وكذلك أصحابه من بعده قتلوا فاعل ذلك إما رجماً أو حرقاً أو غير ذلك مع عدم التكرر.
وإذا كانت الأصول المنصوصة والمجمع عليها مستوية في إباحة الدم بين الواحدة والمرات المتعددة كان ـ ادعاء ـ الفرق بينهما في إباحة الدم إثبات حكم بلا أصل ولا نظير له، بل على خلاف الأصول الكلية، وذلك غير جائز. 
ويوضح ذلك أن ما ينقض الإيمان من الأقوال يستوي فيه واحدهُ وكثيرهُ وإن لم يصرح بالكفر. كما لو كفر بآية واحدة أو بفريضة ظاهرة أو بسب الرسول[r] مرة واحدة، فإنه كما لو صرح بتكذيب الرسول [r].
وكذلك ما ينقض الأيمان من الأقوال لو صرح به وقال: [قد نقضت العهد، وبرئت من ذمتك] انتقض عهده بذلك، وإن لم يكرره.
فكذلك ما يستلزم ذلك من السب والطعن في الدين ونحو ذلك لا يحتاج إلى تكرير أ.هـ [
[2][13]]. الصارم المسلول. شيخ الإسلام ابن تيمية صـ 86 / 87.
وبناء على هذا الأصل الهام جداً بالنسبة لجريمة الردة وما يصير به المسلم كافراً جاءت شروحات العلماء لهذا الحديث الشريف عن ذلك المرتد التارك لدينه والمفارق للجماعة، ولم يذكر أبداً في أقوالهم اشتراط تكرار الفعل؛ فقد قال عن ذلك ابن رجب الحنبلي رحمة الله: وأما التارك الدين ومفارقته الجماعة فمعناه الارتداد عن دين المسلمين، ولو أتي بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله [r]وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه لأنه قد ترك بذلك دينه، وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين أ.هـ[
[3][14]].جامع العلوم والحكم. ابن رجب الحنبلي، شرح الحديث الرابع عشر.
وقد كانت شروحات العلماء في باب الردة وبما يصير به المسلم مرتداً عن الدين في مصنفات الفقه المختلفة على جميع المذاهب المعلومة المشهورة تذكر من هذه الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات الكفرية، والتي يصير بها المسلم مرتداً عن الإسلام، ولم يرد أبداً اشتراط التكرار لشيء من هذا ليثبت الحكم في حق الفاعل، وذلك من الشهرة بمكان لا يجهل لدي جميع من كان له أدنى اطلاع بأحكام هذه الشريعة الغراء. وأما من يتكلم في أمور الديانة بالرأي المجرد والأهواء وبغير علم حقيقي فذاك مما لا يؤبه به، وليس ذلك بأسوأ ما فيه ، كيف وهو لا يفرق أساساً بين الكفر والإيمان ، وصحيح الدين وسقيم الهوى والرأي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [إذا لم تستحِ فافعل ما شئت].
سبب الخطأ في قضية [تكفير المعين] من أصحاب الشرك الأكبر: 
يرجع سبب الخطأ في هذه القضية عند بعض الناس إلى اختلاط أحكام أهل الشرك أو الكفر الحقيقي وهو المخرج من الملة ، بأحكام أهل الكفر المجازي غير المخرج من الملة، والذي جاء في نصوص الشارع إما على سبيل التغليظ أو الزجر عن كبائر الذنوب والمعاصي وإما في حدود كفر المآل أو كفر التأويل، وهما دون الكفر الأكبر المخرج من الملة بيقين.
وقد سبق إيضاح الفرق بين الكفر الحقيقي والكفر المجازي في صفحات سابقة ،
وحيث الكبائر دون الشرك منها ما هو :
[كبائر عملية] كمثل الزنا أو السرقة والقتل وشرب الخمر... وخلافه
و[كبائر اعتقادية] وهي البدع المناقضة لسن العقائد كالمتأولين لصفات الباري وبدع القدرية والجهمية والخوارج والمعتزلة وأهل الإرجاء وغيرهم.
ـ ثم أن أصول أهل السنة الحاكمة والمتعلقة [بعصاة الموحدين] حاكمة على أصحاب الكبائر الاعتقادية [من أهل البدع والأهواء] كما هي حاكمة لأهل الكبائر العملية [من أهل الذنوب والمعاصي]، لأن أهل البدع من جنس أهل الذنوب لا من جنس أهل الشرك.
وكما أن بعض [الكبائر العملية] قد ورد النص الصريح على توصيفها بالكفر كجريمة القتل وكما ورد بالحديث [لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض] أو نفي الإيمان عن صاحبها كقوله [r]: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن]، دون أن يكون ذلك مقصوداً لظاهره، بل على سبيل التغليظ والزجر، وإلا فالنصوص والإجماع قد دلَّا على عدم خروج صاحب هذه الأفعال من الملة.
فكذلك جاءت بعض الكبائر الاعتقادية والبدع ـ كشأن بعض الكبائر العملية ـ على نحو يوصف بكونه ـ من قبيل [كفر المآل] الذي يؤول بصاحبه أو يخشى على صاحبه أن يؤول به إلى الكفر، وليس هو بكفر حال؛ وذلك كشأن المشبهة في الصفات، ومن عرَّف الإيمان بأنه مجرد العلم أو مجرد التصديق، لما يؤدي ذلك إلى اعتبار كثير من أهل الشرك مؤمنين على خلاف ما صرحت به النصوص وهو لازم القول لايؤاخذ به المبتدع ما لم يلتزمه ،كما يقال أن هذا القول يؤول إلي ذلك.
ـ كما جاءت بعض الكبائر الاعتقادية والبدع على نحو كفر التأويل؛ كشأن المتأولين للصفات من المعتزلة والجهمية وغيرهم دون أن يصلوا إلى جحود هذه الصفات بالكلية، فوقفوا عند حد الابتداع وكفر التأويل دون أن يصل بهم القول إلى الكفر الحقيقي وجحود شيء من الصفات.
فهذه الكبائر الاعتقادية من (كفر التأويل) أو (كفر المآل) هي في حقيقة أمرها من جنس الذنوب والمعاصي، وليست من جنس الكفر المخرج من الملة. 
وبالتالي فإن أصول أهل السنة الحاكمة في شأن [عصاة الموحدين] حاكمة لكلا الطائفتين من أصحاب الكبائر العملية والكبائر الاعتقادية.
ومن أعظم هذه الأصول أن (المعين من أهل هذه الكبائر لا يحكم بكفره إلا باستحلال الذنب المحرم)، ولا يغير من هذه الحقيقة أن بعض هذه الذنوب والكبائر سميت كفراً على سبيل التغليظ أو التنفير عنها، أو كانت من قبيل كفر المآل أو كفر التأويل، فهذه الأفعال وإن وصفت كفراً فهو كفر غير حقيقي وغير مخرج من الملة، بل سميت كفراً مجازا أو يقال أنها من شعب الكفر لا من أصله.
ولأن الأوصاف المجازية لا يشتق منها اسم فاعل، فإن هذه الذنوب أو البدع وإن سميت [كفراً] فإن الفاعل لا يسمى كافراً، ولا يقال بخروجه من الملة إلا إذا استحل الذنب. فيقال: الفعل كفر والفاعل لا يكفر ولا يخرج من الملة بها إلا إذا استحلها.
ولأن البدع الاعتقادية هي من جنس الكبائر ، وقد قامت بالأساس من اتباع المتشابه وترك المحكم كنوع من الزيغ عن الحق؛ وكما قال تعالى: ﴿فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾[آل عمران:7].
فقد احتاج هذا المبتدع إلى إجلاء الحقيقة الشرعية الصحيحة وتوجيه إلى المحكم الذي يرد إليه هذا المتشابه وعدم معارضته به، لذا فقد احتاج هذا المبتدع إلى البيان حذرا من الانتهاء به إلي الكفر وقد علم أن البدع بريد الكفر ، وقد فعل ذلك الإمام علي t مع الخوارج عندما أرسل إليهم عبدالله بن عباسt ليبين لهم .وهكذا أيضاً جاءت الشريعة في أحكام أهل البغي أو البغاة أن على الإمام أن يراسلهم ويزيل ما لديهم من شبهات أو مظالم قبل أن يقاتلهم.
ولذا فإذا كان قد قيل أن من أصول أهل السنة أن صاحب الكبائر لا يكفر إلا باستحلالها فإن صاحب البدع وهو من أهل الكبائر الاعتقادية لا يحكم بكفره إلا بعد البيان وإرشاده إلى المحكم، والذي هو الحجة القاطعة للخصومة فيجحدها فيكون جحوده مقام الاستحلال ، ولذا فقد قيل لأصحاب هذه الكبائر البدعية: أن القول كفر والقائل لا يكفر إلا بعد البيان وإقامة الحجة في قول بعض أهل العلم.
فهذا جميعه في شأن أصحاب الكبائر الاعتقادية من أهل البدع والأهواء المخالفين لعقائد أهل السنة.
وأما الشرك الأكبر أو الكفر الحقيقي المخرج من الملة فشأنه وشأن المعين من الناس ممن يتلبس بشيء منه فهو كما سبق تقريره، والحمد لله رب العالمين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه
عبد الرحمن شاكر نعم الله
(حلمي هاشم)
تم قراءته 1999 مره

صفحتنا على الفيس بوك

عدد الزوار

30517045
اليوم
أمس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضى
هذا الشهر
الشهر الماضى
الكل
46969
76453
204874
29855318
1793362
1692007
30517045
Your IP: 54.205.223.200
Server Time: 2017-03-28 15:44:00

أحصائيات الموقع

استطلاع الرأى

الكتاب المفضل عندك ....

الميزان فى معرفة الاركان - 0%
الطاغوت - 50%
احكام الذرية - 50%

Total votes: 2
The voting for this poll has ended on: 15 أيلول 2013 - 07:58
تصميم و تطوير ASHRF100